الخميس، 14 فبراير 2013

صورة فنية لثقب أسود


صورة فنية لثقب أسود(*)
من خلال استخدامهم شبكة عالمية من المِقْرابات telescopes، سوف يتمكن علماء الفلك قريبا من الحصول على أولى مشاهدتهم للصورة الظلّيّة المعتمة لثقب أسود.
< E.A.بروديريك> ــ <A.لويب>

مفاهيم مفتاحية
   تُعتبَر الثقوبُ السوداء من بين أكثر الأجرام الكونيّة غموضا وإبهاما. وحتى الآن، لم يتمكَّن علماءُ الفلك من ملاحظتها إلاّ بشكل غير مباشر، وذلك من خلال آثارها التثاقلية gravitational في النجوم المحيطة بها ومن خلال الإشعاع الصادر عن جزيئات الغاز الحارّ الساقط نحوها بشكل حلزوني.
   يعمل الفلكيّون على إنشاء شبكة من المقرابات (التلسكوبات) الراديوية بهدف التقاط صور للثقبَين الأسودَين الفائقَي الكتلة والواقعَين في مركزَي مجرّتَي درب التبّانة والمجرات M87.
   إنّ تحسّن الدراسات المتعلّقة بالثقوب السوداء لن يساعد على تفسير الظواهر غير الاعتيادية التي تنجم عن تلك الثقوب فحسب، بل يمكن أيضا أن يقدِّم لنا طريقة لاختبار نظرية آينشتاين في النسبية العامة، كما يمكن أن يزوّدنا بتبصرات خلاّقة حول طبيعة الثقالة gravity في الظروف الاستثنائية المتطرّفة.
محرِّرو ساينتفيك أمريكان

إن القرص المعتم الممثِّل لمنطقة الخطر الموافقة للثقب الأسود الموجود في مركز مجرّة درب التبّانة ــ مع كميّات الغاز الحار العالقة في ثقالته ــ يمكن أن يبدو بشكل مشابه لما تقدّمه رسوماتُ المحاكاة الحاسوبية هذه (الصور: 1، 2، 3)، عندما تبدأ في السنة القادمة شبكةُ المقرابات الراديوية بعملها جامعةً الأرصاد الفلكيّة. ولكنّ الغاز بين النجوم سوف يشوِّش رؤية التفاصيل الدقيقة، ويجعلها غيرَ واضحة (الصورتان: 4 ، 5).

من المرجَّح أن تكونَ قد شاهدتَ ذلك الإعلانَ التلفازي، حين يبتعد تقنيّ الهواتف النقالة (المحمولة) إلى مسافات بعيدة، ويسأل بواسطة الهاتف: «هل تسمعني؟» تخيّل أنّ هذا التقني قد سافر إلى مركز مجرّة درب التبّانة، حيث يكمن ثقب أسود فائق الكتلة يُدعى ساگيتاريوس-إي (Sgr A*)(1)، كتلته تساوي نحو أربعة ملايين ونصف كتلة الشمس. عندما يقترب التقنيّ إلى مسافة 10 ملايين كيلومتر من الثقب الأسود، ستلاحظ أنّ إيقاع كلامه يتباطأ، وأنّ صوته يغلظ لحنا ويضمحل شدة، ليصير في نهاية الأمر همسات رتيبة تتناقص قدرتك على سماعها شيئا فشيئا. ولو قُدِّر لنا أن نرى هذا التقني، للاحظنا أنّ صورتَه تغدو باهتة ويزداد لونُها احمرارا بشكل متزايد، وقد صار متجمدا في الزمن بالقرب من حدود الثقب الأسود المعروفة باسم أفق الحدث event horizon.

ومع ذلك، لن يشعر التقنيّ نفسه بأيّ تباطؤ في مرور الزمن بالنسبة إليه، ولن يرى أيَّ شيء غريب يحدث عند أفق الحدث. وهكذا, لن يعلم بأنه اجتاز هذا الأفق إلاّ عندما يسمعنا قائلين: «لا نستطيع سماعَك بشكل جيّد»، ولن تتوفّر أيُّ طريقة يمكن له بها أن يشاركنا انطباعاتِه وأحاسيسَه الأخيرة، إذ لا شيء البتّة ــ حتى الضوء نفسه ــ يستطيع أن يفلت من الجرّ الهائل لقوة الثقالة داخل أفق الحدث. وقبل أن تمرّ دقيقة على اجتيازه للأفق، سوف تكون قوى التثاقل في أعماق الثقب قد مزّقته إربا إربا.

لا يمكننا في الحياة الفعلية أن نرسلَ تقنيا في مثل هذه الرحلة، ولكنّ علماءَ الفلك طوّروا بعض التقنيات التي ستسمح لهم في القريب العاجل ــ ولأول مرّة ــ بالتقاط صور للظلال المعتمة لثقب أسود ضمن خلفية مليئة بغاز متوهّج ساخن.

ستقولُ لنا: «انتظروا قليلا، ألم يُبلغْنا علماءُ الفلك مرارا بملاحظتهم لثقوب سوداء، بما في ذلك شتى أنواع الصور؟» هذا صحيح، ولكنّ هذه الصور كانت لغازات أو لمواد أخرى موجودة قرب ثقب أسود بحيث تَمثَّل الثقبُ نفسُه فيها كبقعة غير مرئية، أو كانت لتدفق هائل من الطاقة افتُرِض أنه ناجمٌ عن ثقب أسود. وفي الحقيقة، فنحن لا نزال غـير متيقّنـين بعـدُ من وجود الثقوب السوداء فعلا أو عدم وجودها(2).

لقد اكتشف علماءُ الفلك أجراما كونية تبلغ من الثقل والتراصّ مقدارا يكفي ــ في حالة صحّة نظرية آينشتاين في النسبية العامة ــ لأن تكون بالضرورة ثقوبا سوداء، ومن المتعارف عليه أن نتكلّم عنها كما لو أنها فعلا كذلك (كما نفعل في هذا المقال). ولكننا، حتى الآن لم نستطع تأكيدَ أنّ هذه الأجرام تمتلك السمة المميّزة التعريفية للثقب الأسود، أي وجود أفق لا يمكن للمادة اجتيازُه إلاّ في اتجاه واحد فقط. وهذا السؤالُ لا يُعَدّ مجرَّد فضول مقصور على فئة قليلة، إذ إنّ وجودَ مثل هذه الآفاق أو عدمَه يمثّل إحدى أهمّ الأحجيات العميقة في الفيزياء النظرية وأعقدها. وسوف تساعدنا الصورُ التي تعرض الصور الظلية المعتمة لآفاق أحداث الثقوب السوداء على فهم السيرورات الفيزيائية الفلكية الاستثنائية التي تحدث في المناطق المتاخمة لها.

أسئلة موجِّهة(**)

تُعتبَر آفاقُ الحدث منبعا مثيرا للخيال ذا سحر خاصّ، إذ إنها تمثّل وجود عدم الانسجام على المستوى القاعدي بين انتصارَين عظيمَين حقَّقتهما الفيزياء في القرن العشرين، وهما: الميكانيك الكمومي والنسبية العامة. والعكوسية الزمنية(3) سمة أساسية للكيفية التي يصف بها الميكانيك الكمومي المنظومات الفيزيائية؛ فكل سيرورة كمومية لها سيرورة عكسية نستطيع من حيث المبدأ أن نستخدمها لاستعادة أيّ معلومات يمكن أن تكون السيرورة الأصلية قد أدَّت إلى تشويشها. وفي المقابل، لا تسمح النسبيةُ العامة ــ التي تفسّر الثقالة على أنها ناجمة عن تقوس(4) الفضاء وتتنبّأ بوجود الثقوب السوداء ــ بأيّ سيرورة عكسية لاسترجاع الشيء الذي سقط داخل ثقب أسود. والحاجةُ إلى حلّ عدم الاتّساق هذا بين الميكانيك الكمومي والتثاقل gravitation، يُمثل أحد أهمّ دوافع فيزيائيّي الأوتار في بحثهم عن نظرية كمومية للثقالة، أي نظرية تتنبّأ بخصائص التثاقل انطلاقا من التآثرات الخاضعة لقوانين الميكانيك الكمومي.

وعلى مستوى أعمق في هذا الموضوع، يودُّ الفيزيائيون معرفةَ ما إذا كانت نسبية آينشتاين العامة هي فعلا النظرية الصحيحة للثقالة، حتى حيثما تكون تنبؤاتها مختلفة بشكل صارخ عن النظرية التقليدية النيوتونية newtonian theory؛ كالتنبّؤ بوجود آفاق الأحداث للثقوب السوداء. وتمتلك الثقوب السوداء سمتَين توأمَين رائعتَين، الأولى هي أنها توافق حلولا بالغة البساطة لمعادلات الثقالة حسب نظرية آينشتاين (فالثقب الأسود يتحدّد تماما بثلاثة أعداد لا غير: كتلة الثقب وشحنته وسپينه(5))، أمّا الثانية فهي أنّ هذه الثقوب تمثِّل أماكن تسلك فيها الثقالة سلوكا أبعد ما يكون عن النظرية النيوتونية. ومن هنا، تُعتَبر الثقوب السوداء مواضعَ مثالية للبحث عن دلائل على أية اختلافات في الظروف البالغة التطرّف عمّا تتنبأ به معادلات آينشتاين، وهذه الاختلافات ــ في حال ظهورها ــ يمكنها أن تزوّدنا بإشارات تدلّنا على الطريق نحو نظرية كمومية للثقالة. وبالعكس، إذا نجحت تلك المعادلات في وصف ما يجري بالقرب من الثقوب السوداء، فإنّ هذا سوف يوسّع بشكل درامي مجالَ صلاحية النسبية العامة.
 
 
[أساسيات]
 
 عرين الوحش(***)


   إنّ السمةَ التعريفيّة للثقب الأسود هي امتلاكه أفق حدث، وهو الحدود الكروية للمنطقة التي لا يستطيع أيّ شيء داخلها التغلّبَ على ثقالة الثقب والخروج منها. ويتراكم الغاز بشكل متعاظِم ضمن قرص حارّ ونيّر يحوم حول الثقب الأسود، وتوجد فيه بقعٌ مؤقّتة برّاقة وساطعة تشبه مناطق التوهّج في لهيب الشمس (بقع الانفجارات الشمسية). يمكن للقرص أن يكون رقيقا (كما في الشكل)، ولكن يمكنه كذلك أن يغطّي زاوية كبيرة فوق مستوي الدوران وتحته، كما يمكن له أن يمتدّ إلى مسافات بعيدة جدا شعاعيا radially. ويُصدِر كثيرٌ من الثقوب السوداء الفائقة الكتلة دفقات نفثية ساطعة بسرعات تقارب سرعة الضوء.
    ويُعتقَد أنّ الحافة الداخلية لقرص التراكُم المتعاظِم (قرص الاستزادة) تقع بالقرب من دائرة تُدعى المدار الحلقي المستقرّ الأكثر توغّلا نحو الداخل(6). وأيُّ مادة تضلّ طريقها بالقرب من الثقب، ستجد نفسها على مسار غير مستقرّ، وسريعا تغوص في أعماق الثقب. وعلى المدار الفوتوني، يمكن للضوء فيه من حيث المبدأ أن يدور حول الثقب الأسود بشكل دائم، ولكن في الواقع الفعلي قد يؤدي أيُّ اضطراب مهما صَغُر إلى جعل مسار الضوء يتجه حلزونيا إلى الداخل أو إلى الخارج.
 
إنّ طرحَ بعضِ الأسئلة الملحّة في الفيزياء الفلكية عمّا يجري في جوار الثقوب السوداء يستلزم بدوره محاولة الوصول إلى إجابات. تقتات الثقوبُ السوداء من المادة الساقطة إلى داخلها مثل الغاز والغبار الكوني، وأثناء السقوط تكتسب هذه المادة ــ مع اقترابها من أفقِ حدثِ الثقب ــ مقدارا كبيرا من الطاقة، فتُنتج كمية من الحرارة تفوق فاعليتها عشرين ضعفا تقريبا من فاعلية الاندماج النووي الذي يمثّل ثاني أقوى سيرورة معروفة لنا من ناحية القدرة على توليد الطاقة. فالإشعاعُ الصادرُ عن الغاز الحارّ والمتحرّك بشكل حلزوني يجعل الجوار المحيط بالثقوب السوداء أكثرَ الأشياء توهّجا وبريقا في الكون.
 
تُعتبَر الثقوبُ السوداء مواضعَ مثالية للبحث عن دلائل على أية اختلافات في الظروف البالغة التطرّف عمّا تتنبأ به معادلات آينشتاين في نظرية النسبية العامة.

يستطيع الفيزيائيون الفلكيّون وضع نموذج يصف إلى حدّ ما المادةَ المتعاظِمة التراكُم (المتنامية) للثقب الأسود، ولكنّ لا تزال غامضة كيفيةَ انتقال الغاز ضمن تدفّق مادة التراكُم المتعاظِم من مدارٍ نصف قطره كبير إلى آخر واقع بالقرب من الأفق، ويشوب الغموض أيضا كيفية، بالتحديد، سقوط الغاز في نهاية الأمر إلى داخل الثقب الأسود. لا شكّ في أنّ الحقول المغنطيسية التي تولِّدها الجسيماتُ المشحونة المتحرّكة ضمن تدفّق مادة التراكُم المتعاظِم تؤدي دورا مهما جدا في كيفية سلوك هذا التدفّق، لكننا لا نعرف إلاّ القليلَ عن بنية هذه الحقول وعن كيفية تأثير هذه البنية في الخواصّ المرصودة للثقوب السوداء. ومع توفر برامج محاكاة حاسوبية تصف مجمل منطقة التراكُم المتعاظِم، فإنّ العلماء النظريّين لا يزالون يحتاجون إلى عقود من الزمن قبل أن يتمكَّنوا من إجراء حسابات موافقة حقيقية لا تعتمد إلاّ على مبادئ الفيزياء الأساسية. وسوف تكون بيانات المراقبات والملاحظات الفلكية ذات قيمة أساسية في إلهامنا بأفكار جديدة، وكذلك في تقريرنا أيّ النماذج المتعدّدة والمتنافسة هو الأقدر على وصف الظاهرة.

هناك أمرٌ أكثر إحراجا بالنسبة إلى الفيزيائيين الفلكيّين هو افتقادهم فهم الدفقات النفثية للثقب الأسود: وهي ظواهر تتعاون فيها القوى بالقرب من ثقب أسود فائق الكتلة لقذف مادة نحو الخارج بسرعات نسبوية عالية (تصل إلى نحو 99.98 في المئة من سرعة الضوء). وتجتاز هذه الدفقات المذهلة المنطلقة نحو الخارج مسافات تفوق المجرّات طولا، ومع ذلك تكون عند نشوئها قرب الثقب الأسود على شكل حزم كثيفة من الأشعة التي تتجمع بشكل لصيق يكفي لأن تخترق المنظومة الشمسية؛ كما لو كانت ثقب إبرة مجرّيّة. وإننا لا نعرف ما الذي يسرّع هذه الدفقات النفثية إلى هذه القيم العالية من السرعات، كما لا نعرف حتى ممّا تتركّب؛ فهل هذه الدفقات النفثية مكوّنة من إلكترونات وپروتونات أم من إلكترونات وپوزيترونات؟ أو لعلها مجرّد حقول كهرمغنطيسية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، يحتاج الفلكيّون بشدة إلى أرصاد مباشرة عن الغاز في الجوار القريب للثقب الأسود.
 
مطاردة الوحش من بعد(****)

لسوء الحظ، يصعب الحصول على الأرصاد المباشرة المذكورة أعلاه، وذلك لأسباب عديدة. أولا، الثقوب السوداء فائقة الصغر بالنسبة إلى القياسات الفلكية. فهي تتجلّى في تشكيلتَين رئيسيَّتَين: ثقوب سوداء كتلها نجمية وهي بقايا نجوم ثقيلة ميتة تبلغ كتلها نموذجيا من خمسة أضعاف إلى 15 ضعفَ كتلة الشمس، وثقوب سوداء فائقة الكتلة تتوضّع في مراكز المجرّات؛ وتزن ما بين ملايين كتلة الشمس إلى عشرة مليارات منها. ويبلغ قطرُ أفقِ حدثِ ثقب أسود بكتلة نحو 15 مرّة كتلة الشمس نحو 90 كم، فهو يشغل حيزا صغيرا جدا بمقاييس المسافات بين النجوم. حتى إن المنطقة داخل مدار الكوكب نپتون تتسع بسهولة لثقب أسود فائق كتلته تبلغ نحو مليار مرّة كتلة الشمس.

ثانيا، يساعد الحجم الصغير للثقب الأسود وثقالته الهائلة على حركة المواد حوله بسرعات كبيرة للغاية، فالمادة القريبة جدا من ثقب أسود نجمي الكتلة يمكن أن تتمّ دورتها حول الثقب بأقلّ من ميكروثانية، ولا بدّ من أجهزة فائقة الحساسية لرصد ظواهر سريعة إلى هذه الدرجة. وأخيرا، فإنّ المجموعة الجزئية من الثقوب السوداء التي تمتلك احتياطيا كبيرا من الغاز المجاور القابل للتراكُم المتعاظِم، هي الوحيدة التي يمكن رؤيتها، ولذلك لم يتمّ اكتشاف الغالبية العظمى من الثقوب السوداء في مجرّة درب التبّانة بعد.

ولمجابهة هذه التحدّيات طوّر علماء الفلك تقنيات متنوّعة، زوّدتنا ــ على الرغم من عدم قدرتها على إعطاء صور مباشرة ــ بمعلومات عن خواصّ وسلوك المادة الحائمة قربَ منطقة نشكّ في احتوائها على ثقب أسود. وعلى سبيل المثال، يمكن للفلكيّين أن يقدِّروا وزن ثقب أسود فائق الكتلة من خلال مراقبة النجوم المجاورة له، بطريقة تشبه إلى حدِّ كبير مراقبة مسار الكواكب من أجل حساب كتلة الشمس. وفي المجرّات البعيدة، لا يمكن تمييز النجوم المنفردة قربَ ثقب فائق الكتلة، ولكنّ طيف إشعاعاتها الضوئي يدلّ على كيفية توزّع سرعاتها، وهذا ما يفيد في حساب كتلة الثقب. يُعتبَر الثقب الأسود الفائق الكتلة*Sgr A الموجود في مركز مجرّة درب التبّانة قريبا منّا بما يكفي لتتمكن المقراباتُ من تمييز النجوم المنفردة الواقعة قربَه. وهذا ما وفَّر لنا أفضل تقدير حتى اليوم لكتلة ثقب أسود ما [انظر المؤطر في الصفحة 9]. ولسوء الحظ، فإنّ موقع هذه النجوم بعيدٌ جدا عن منطقة اهتمامنا الأقصى التي تغدو فيها آثارُ النسبية العامّة جليّة ومحسوسة.

ويبحث الفلكيّون كذلك عن إشارات تحمل توقيعَ النسبية العامة في الطريقة التي يتغيّر وفقها الإشعاع الصادر بالقرب من ثقب أسود عبر الزمن. وعلى سبيل المثال، تتأرجح وتتغيّر قيمُ السطوعِ لإصداراتِ الأشعة السينية من بعض الثقوب السوداء النجمية الكتل بطريقة شبه دورية، وتكون أدوارها مماثلة للأدوار المتوقّعة في المدارات التي تسلكها المواد قربَ الحافة الداخلية لقرص التراكُم المتعاظِم.

وأكثرَ طرقِ سبرِ الثقوب السوداء الفائقة الكتلة نجاحا لغاية اليوم هي تلك التي استغلَّت عملية تألّق fluorescence ذرّات الحديد الواقعة على سطح قرص التراكُم المتعاظِم. فالحركةُ السريعة لقرص التراكُم المتعاظِم الذي يحمل ذرّات الحديد تتعاضد مع الثقالة الشديدة للثقب، لتسبِّب إزاحة الطول الموجي المميّز للتألّق، وتؤدي إلى امتداده على نطاق عريض من الأطوال الموجية. وبالقرب من ثقب أسود ذي تدويم(7) (دوران حول الذات) سريع، يدور قرص التراكُم المتعاظِم نفسه حول الثقب بسرعة أكبر (بفضل تأثير تبيّنه النسبية العامة يسبّب جرَّ «المكان» معه عند دوران الثقبِ حـول نفسـه)، وسـيكون للإصدار لاتناظر(8) مريب. وقد رصد القمران الصنعيّان اليابانيّان ASCA وSuzaku إصدارات من هذا النوع بالضبط، وقد فسّرها الفلكيّون على أنها إثباتٌ مباشر على وجود ثقوب سوداء ذات تدويم سريع، بحيث تبلغ السرعات المدارية في أقراص التراكُم المتعاظِم قيما مرتفعة تصل حتى ثلث قيمة سرعة الضوء.

ويمكن الحصول على معلومات حول مقدار تدويم الثقوب السوداء النجمية الكتل عن طريق دراسة منظومات ثنائية يدور فيها ثقب أسود ونجم عادي أحدهما حول الآخر بشكل يبلغ من القرب ما يكفي لأن يأكل الثقب الأسود تدريجيا من مادة رفيقه. ويدلّ تحليل طيف الأشعة السينية والبارامترات المدارية لحفنة من مثل هذه المنظومات على أنّ ثقوبَها السوداء تمتلك من 65 إلى 100 في المئة من المقدار الأعظمي للتدويم الذي تسمح به النسبية العامة لثقب أسود بالكتلة المفروضة؛ ويبدو أنّ القيمةَ العالية للتدويم هي السائدة في أغلب الحالات.

لا يقتصر ما تُطلِقه الثقوبُ السوداء على الضوء (الذي يمتدّ طيفه من الموجات الراديوية حتى الأشعة السينية) وعلى الدفقاتِ النفثية من الطاقة فحسب، إذ يمكن لثقبين أسودَين ــ عندما يصطدم أحدهما بالآخر ــ أن يهزّا بنية نسيج الزمكان(9) حولهما، وهذا ما يُنتج موجات تثاقلية(10) تنتشر إلى خارج منطقة التصادم مثل انتشار التموّجات والتغضّنات على سطح ماء بركة راكدة. ويجب على تغضّنات الزمكان هذه أن تكون قابلة للالتقاط على بعد مسافات شاسعة، حتى وإن تطلَّب ذلك أجهزة فائقة الحساسية. ومع أنّ المراصد الفلكية المتوفّرة في الوقت الراهن لم تكتشف حتى اليوم أية موجات تثاقلية، فإنّ فكرةَ البحث هذه تزوّدنا بطريقة ثوريّة جديدة لدراسة الثقوب السوداء(11).
 

إشارات بعيدة عن ثقوب سوداء(*****)
   يعتقد الفيزيائيون الفلكيّون أنّ ثقوبا سوداء (صغيرة جدا وبعيدة عنّا بشكل لا يسمح لنا برؤيتها) هي المسؤولة عن ظواهر عديدة تمتد من إصدارات لأشعة سينية إلى دفقات نفثية ضخمة من موادّ تمّ قذفها بعيدا عن مراكز المجرّات.
   صورة المجرّة Centaurus A كما التقطها القمر الصنعي Chandra باستخدام الأشعة السينية، وهي تبيّن دفقا نفثيا بطول 13000 سنة ضوئية يصدر عن ثقب أسود فائق الكتلة نعتقد أنه موجود في مركزها. وتمثّل البقع ذات الشكل النجمي ثقوبا ذات كتل من المرتبة النجمية تستهلك مادة يزوّدها بها رفاقُها النجوم. أمّا الألوان الحمراء والخضراء والزرقاء؛ فهي تدلّ على ثلاثة نطاقات مختلفة من الأطوال الموجية للأشعة السينية.
   إنّ الثقب الأسود الفائق الكتلة الذي نفترض وجودَه في مركز المجرّة M87 محاطٌ بفصوص من الغاز يبلغ عرضها نحو 15000 سنة ضوئية، وهو يُطلق نحونا دفقا نفثيا بسرعات نسبوية عالية، كما يُحتمَل أن يكون هناك دفقٌ نفثيّ معاكس غير مرئي يرُسل مادّة في الاتجاه المعاكس. وهذه الصورة التقطها الصفيف الكبير جدا (VLA)(12) في نيو مكسيكو باستخدام موجات راديوية بأطوال موجية من رتبة الـ -2سنتمتر، حيــث تمثّل الألــــوان فيها شـــدّة الإشـــارة الملتقطَة.

نافذة للنظر(******)

على الرغم من تزويدها لنا بمقدار وافر من المعلومات حتى الآن، لا تقدِّم أيّ تقنية من التقنيات التي وصفناها ــ صورة مباشرة لأفق حدث ثقب أسود. ولكن في الوقت الراهن ــ وبفضل تطوّرات حديثة جدا تحقَّقت في التقانة مؤخرا ــ أصبح الحصولُ على صور مباشرة لأفق ثقب أسود أمرا وشيك الحدوث. والثقب الأسود الذي سوف يجري تصويره هو ذاك الثقب الوحش القابع في ساحتنا الخلفية*Sgr A على مسافة 24000 سنة ضوئية فقط منّا ويحتلّ مساحة أكبر الأقراص في قبة سمائنا مقارنة بجميع الثقوب السوداء الأخرى المعروفة، في حين يتعين على ثقب أسود كتلته تساوي عشر مرّات كتلة الشمس ألاّ يبعد عنّا أكثر من 1% من بعد أقرب نجم إلينا لكي يبدوَ بالمساحة نفسها لذلك القرص. أمّا الثقوب السوداء الفائقة الكتلة التي تتجاوز الثقب الأسود *Sgr A بكثير في ضخامتها، فهي موجودة لكن على مسافات تبعد عنا ملايين السنين الضوئية.

إنّ الحجمَ الظاهري الذي تبدو فيه الصورة الظليّة المعتمة لثقب أسود بعيد يزيد على الحجم الحقيقي بأكثر من مرّتين، وذلك بفضل انحناء الأشعة الضوئية الناجم عن ثقالة الثقب. ومع هذا، لن يغطّي أفق الثقب الأسود *Sgr A ظاهريا إلاّ زاوية ضئيلة جدا قياسها 55 ميكرو قوس ــ ثانية (وهو جزء من ألف جزء من 3600 جزء من الدرجة الواحدة)، وهذا يماثل ما تبدو عليه بذرة خشخاش موجودة في مدينة لوس أنجلوس عندما ننظر إليها من مدينة نيويورك.

إنّ ميز resolution جميع المقرابات الحديثة ــ على الرغم من قدراتها المثيرة للإعجاب ــ لها حدودٌ تفرضها على المستوى الأساسي عمليةُ الحيود(13) diffraction، وهو ظاهرةٌ تنجم عن الطبيعة الموجية للضوء وتحدث عندما يمرّ من خلال الكوّة الضيّقة التي يمثِّلها الحجم المحدود للمقراب. وبشكل عام، يمكن إنقاص المقياس الزاويّ الأصغريّ القابل للفصل والتمييز من قبل المقراب عبر تكبير حجم هذا الأخير أو عبر التقاطه لضوء ذي طول موجيّ أقصر. ومن أجل الأطوال الموجية تحت الحمراء (وهي قادرة بشكل ملائم على المرور ــ من دون أن يتمّ امتصاصها ــ عبر الغمامات الغبارية التي تحجب الثقب الأسود *Sgr A عند الأطوال الموجية للضوء المرئي)، نحتاج من أجل تمييز مقياس زاويّ مقداره 55 ميكرو قوس-ثانية إلى مقراب يبلغ عرضه سبعة كيلومترات. وسوف يخفّف نوعا ما استخدامنا لضوء مرئي بأطوال موجية أقصر أو لأشعة فوق بنفسجية من صعوبة تحقيق هذا المطلب الهائل، ولكن ليس بشكل يكفي لأن يجعله معقولا. وتبدو فكرةُ استخدام أشعة ذاتِ أطوال موجية أكبر كأنها لا طائل من ورائها، فاستخدام الموجات الراديوية الميليمترية ــ على سبيل المثال ــ يستلزم مقرابا عرضه 5000 كيلومتر، ولكن هناك الآن بالفعل مقرابات راديوية بمقاييس الكرة الأرضية سبق لها أن باشرت بممارسة عملها.

[الثقب الأسود*Sagittarius A]
 
 تضييق الخناق على المارد العملاق(*******)

   حتى فترة قريبة، ظلّت أرصاد حركات النجوم بالقرب من مركز مجرّة درب التبّانة ــ هي أقربُ ما توصل إليه الفلكيّون في مراقبتهم المتعلّقة بأفق حدث الثقب الأسود*Sgr A. وتبيّن مساراتُ النجوم (الخطوط المتقطّعة) أنها خاضعةٌ لقوةّ جذب جرم سماوي متراصّ جدا ذي كتلة مساوية تقريبا لـ 4.5 مليون مرّة كتلة الشمس. وتشير النقاطُ الملوّنة إلى مواضع النجوم من عام 1995 وحتى عام 2008. أمّا الخلفية، فتمثّل صورة للنجوم (وأشياء أخرى غيرها) تمّ التقاطُها في عام 2008 باستخدام الأشعة تحت الحمراء. إنّ النجم SO-16 هو النجم الذي يقترب أكثر ما يكون من الثقب *Sgr A (إلى مسافة تُقدَّر بسبع ساعات ضوئية)، ولكن حتى هذه المسافة الصغيرة نسبيا تبقى أكبر بـ 600 مرّة من نصف قطر أفق الحدث.

تمزج التقنية (VLBI)(14) مقياس التداخل ذي الخطّ القاعدي الطويل جدا الإشاراتِ التي يتمّ التقاطها من قبل منظومة (أو صفيف) من المقرابات الراديوية المنتشرة في أرجاء الكرة الأرضية، وذلك من أجل تحقيق قيم عالية للميز الزاوي مماثلة لما يحقّقه نظريا طبقٌ (صحن لاقط) بحجم الأرض مُعدّ لاستقبال الموجات الراديوية. هناك منظومتان من المقرابات من هذا النوع تعملان منذ أكثر من عقد من الزمان، وهما المنظومة(VLBA) (15) التي تنتشر أطباقها في الولايات المتحدة من هاواي Hawaii إلى نيو هامپشر New Hampshire، والمنظومة (EVN)(16) التي تنتشر أطباقها في تشيلي وجنوب إفريقيا وپورتوريكو إضافة إلى أوروبا. ويمكن أن تكونَ قد رأيتَ منظومة مماثلة ــ وإن كانت أصغر بكثير ــ لو أنك شاهدتَ الفيلمَ السينمائي «الاتّصال (كونتاكت Contact)» أو الفيلم «2010» اللذين يعرضان في بعض مشاهدهما منظومةَ الصفيف البالغ الكبر VLA في ولاية نيومكسيكو.

ولسوء الحظ، لا تصلح التقنيـتــــان VLBA وEVN إلاّ لالتقاط موجات راديوية بطول موجي أكبر من 3.5 ميلّيمتر، وهذا ما يوافق ميزا لا يتعدّى 100 ميكرو قوس-ثانية، وهذه قيمة أكبر من أن تسمح بتمييز أفق الثقب*Sgr A. والأكثر من ذلك هو أنّ الغازات بين النجوم ــ عند الأطوال الموجية هذه ــ تجعل صورةَ هذا الثقب الأسود ضبابية وغيرَ واضحة، تماما كما يشوِّش الضبابُ الكثيف قدرتنا على رؤية أضواء الشوارع فوق رؤوسنا. ويكمن الحلّ هنا في أن نستعمل مقياسَ تداخل interferometer يعتمد على أطوال موجية أقصر من ذلك من رتبة الميليمتر وأقل.

تبرز الآن مشكلةٌ أخرى مع تلك الأطوال الموجية الأقصر، وهي إمكان امتصاص بخار الماء في الغلاف الجويّ. ولهذا السبب توضع المقرابات التي تستخدم أطوالا موجية من رتبة الميلّيمتر وما أدنى في أعلى المناطق الممكنة ارتفاعا وأكثرها جفافا، كما هو الحال على قمة بركان ماونا كي Mauna Kea في هاواي أو في صحراء أتاكاما Atacama في تشيلي أو في القارة القطبية المتجمّدة الجنوبية. وعندما يتمّ تنفيذ جميع هذه الخطوات نحصل عموما على نافذتَين يمكن النظر من خلالهما بشكل جيّد، واحدة عند الطول الموجي الموافق لـ 1.3 ميليمتر والأخرى عند الموافق لـ0.87 ميليمتر. وتسمح منظومة مقرابات منتشرة في أرجاء الأرض بالحصول عند هذين الطولَين الموجيَّين على قوّتَي ميز بقيمتَي 26 و 17 ميكرو قوس ثانية على الترتيب، وهذا يكفي لتمييز أفق الثقب الأسود*Sgr A.
 
إنّ الثقبَ الأسود*Sgr A هو الثقب الفائق الكتلة الوحيد الذي يسمح قربُه منّا للمقرابات (التلسكوبات) بأن تكون قادرة على فصل وتمييز النجوم المنفردة الواقعة بالقرب منه.

ويمكن إدخالُ عدد من المقرابات الموجودة حاليا (في هاواي، وعلى طول القسم الجنوبي الغربي من الولايات المتحدة، وفي تشيلي والمكسيك وأوروبا) ــ والتي تعمل بأطوال موجية من رتبة الميليمتر وما أدنى ــ ضمن مثل هاتين المنظومتَين. ولكن، نظرا لأنّ الفلكيّين بنوا هذه المقرابات في الماضي لأغراض أخرى، فإنّ تعديلها وتهيئتها بحيث تصبح ملائمة لمقياس التداخل VLBI يتطلّب التغلّب على كثير من التحدّيات التقنية؛ ومنها تطوير نظم إلكترونية بضجيج فائق الانخفاض ومسجّلات رقمية ذات نطاق تردّدي عَرْضُه عال جدا.

ومــع ذلـك، تمكّن فريقٌ مـن العلمـاء بقيـادة <S.S.دولمان> في المعهد MIT من حلّ هذه المعظلات في عام 2008. وقد قام هذا الفريقُ بدراسة الثقب الأسود*Sgr A عند طول موجي مساو لـ 1.3 ميليمتر، وذلك باستخدام منظومة مكوَّنة من ثلاثة مقرابات فقط موجودة في أريزونا وكاليفورنيا وعلى قمة ماونا كي. إنّ هذا العدد الصغير من المقرابات لا يكفي لتوليد صورة، ولكنّ الباحثين نجحوا في تمييز الثقب*Sgr A، إذ دلَّت بياناتهم على أنه يمتلك مناطـــق ســــاطعة ذات حجـم يغطي زاويــــة قــــدرها 37 ميكروقوس ثانية(17) فقط؛ أي ما يكافئ نحو ثلثَي مقاس أفق حدث الثقب الأسود. واستخدام مقرابات إضافية لا بدّ أن يجعل أمرَ الحصول على صورة ظلّيّة قاتمة لأفق حدث الثقب شيئا ممكنا.

تشير الأرصاد الحديثة التي تمت باستخدام مقياس التداخل VLBI الميليمتري الآن إلى أنّ عدمَ امتلاك الثقب الأسود*Sgr A لأفقِ حدث هو أمر بعيد الاحتمال جدا. إنّ عمليةَ التراكُم المتعاظِم فوق ثقب أسود تختلف كلّيّة عنها في حالة جرم سماوي ليس له أفق. ففي كلتا الحالتَين تجلب المادةُ المتعاظِمة التراكُم معها مقاديرَ كبيرة من الطاقة أثناء سقوطها إلى الداخل، ولكنّ هذه الطاقة تتحوَّل ــ في حالة غياب الأفق ــ إلى حرارة عندما تستقرّ المادةُ المتعاظِمة التراكُم وتأخذ شكلَها النهائي، ليتمّ إطلاقُها لاحقا على شكل إشعاع، وهذا ما يولِّد طيفا حراريا مميِّزا ومرئيا بالنسبة إلىالمراقبين الخارجيّين. وعلى خلاف ذلك، يمكن للمادة الساقطة نحو الداخل ــ في حالة الثقوب السوداء ــ أن تحمل معها أيَّ مقدار من الطاقة عبر الأفق، وهذا سوف يخفي تلك الطاقة إلى الأبد.

يمكننا في حالة الثقب *Sgr A أن نستخدم مقدار سطوعه الكلّي للحصول على قيمة تقديرية لمعدّل سقوط المادة المتعاظِمة التراكُم. تضع الأرصاد بوساطة مقياس التداخل VLBI الميليمتري قيدا صارما على أعظم قيمة يمكن أن يبلغها مقاس الحافة الداخلية لتدفّق المادة المتعاظِمة التراكُم، ومن ثم على مقدار الطاقة المتحرّرة أثناء سقوط المادة المتدفّقة حتى وصولها إلى تلك النقطة. فلو لم يكن للجرم *Sgr A أفق حدث (وبالتالي ليس ثقبا أسود)، لتعين أن يتمّ إشعاعُ الطاقة الزائدة عندما تستقرّ المادة المتعاظِمة التراكُم وتهدأ، فتُصدِر بشكل رئيسي موجات في منطقة الأشعة تحت الحمراء. ولكن، على الرغم من الأرصاد الدقيقة لم يجد الفلكيّون أيّ إصدار حراريّ في منطقة الأشعة تحت الحمراء ينطلق من الجرم *Sgr A. والطريقة الوحيدة لتسوية هذا التعارض من دون وجود أفق حدث هي افتراض أنّ المادةَ الساقطة تُشِعُّ إلى الخارج كلَّ الطاقة الزائدة عند لحظة غوصِها إلى الداخل، ولكنّ هذا الأمر تلزمه قيمٌ للمردوديّة الإشعاعيّة مرتفعة إلى حد غير مقبول به منطقيا.

صورة فنيّة لوحش(********)

كنّا، من بين نظريِّين آخرِين، منشغلَين جدا بمحاولة التنبّؤ بما يمكن أن يراه المراقبون الفلكيّون عندما يبدأ مقياس التداخل VLBI بإنتاج صور للثقب *Sgr A في السنوات القليلة القادمة. وبشكل إجمالي يُسبّب وجودُ الثقب الأسود إسقاطَ صورة ظليّة على خلفية من «ورق الجدران» المصنوع من إصدارات غاز التراكُم المتعاظِم في الجوار القريب. وينشأ هذا «الخيال» shadow؛ لأنّ الثقب الأسود يمتصّ الأشعةَ الضوئية الواردة باتجاه المراقِب من المناطق الواقعة خلف الثقب تماما. وفي هذه الأثناء، تجري تغذية المناطق الساطعة حول «الخيال» بموجات ضوئية إضافية تأتي من خلف الثقب الأسود، وهي بالكاد تتجنّب الأفق. ويسبّب الأثر العدسي التثاقلي القويّ انحناءَ الأشعة الضوئية، بحيث تسهم حتى المادة الواقعة خلف الثقب تماما، في الضوء المحيط بالمنطقة المعتمة. أما الصورة الظلّيّة الناتجة هي ما نقصده بعبارة «صورة فنية لثقب أسود»، فهي صورة متوافقة مع الواقع يكون فيها الثقبُ الأسودُ أسودَ اللون حقيقة.

ولن يكون هذا الخيال على هيئة قرص دائريّ الشكل، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى القيم الهائلة للسرعات المدارية للغاز التي تقترب من سرعة الضوء. وسوف ينزاح الإصدارُ الإشعاعي من مثل هذه المادة السريعة الحركة بسبب مفعول دوپلر(18)، وسوف يتمركز ضمن مخروط ضيّق محوره منطبق على اتجاه حركة المادة. وهذا يُزيد كثيرا سطوعَ الإشعاع الصادر عن الغاز الحائم في الجانب ذي الاتجاه المقترب، في حين يُنقِص سطوعَ الجانب ذي الاتجاه المبتعد فيصير معتما، ومن ثمّ سوف ينتج لدينا شكلُ هلال ساطع بدلا من حلقة كاملة ساطعة تحيط بصورة ظلّيّة قرصيّة الشكل. ولا يزولُ عدمُ التناظر هذا إلاّ إذا كنّا بالصدفة ننظر باتجاه منحى محور دوران القرص.
 
بفضل الأثر العدسي التثاقلي تسهم حتى المادة الواقعة خلف الثقب الأسود تماما في الضوء المحيط بخيال الصورة الظلّيّة.

إنّ تدويم الثقب الأسود نفسه، الذي يمكن أن يكون محور دورانه مختلفا عن محور دوران قرص التراكُم المتعاظِم، يُحدث تأثيرا مشابها. فمثل تلك الصور سوف تمكّن الفلكيّين من تحديد اتجاه تدويم الثقب الأسود ودرجة ميل قرص التراكُم المتعاظِم بالنسبة إليه. وبشكل لا يقلّ أهميّة عن ذلك بالنسبة إلى الفيزيائيين الفلكيّين، ستزوّدهم هذه البيانات بمعلوماتِ إدخال آتية من أرصاد لا تقدَّر بثمن من ناحية المساهمة في ابتكار نماذج نظرية الـتراكُم المتعاظِم، وهذا سيسمح ــ على نحو حاسم ونهائي ــ بالإجابة عن السؤال الصعب المتعلق بمقدار كثافة الغاز وبطبيعة الشكل الهندسي للحافّة الداخليّة لتدفّق مادة التراكُم المتعاظِم.

هنـاك ثقوب سوداء أخرى فائقة الكتلة يُفترَض أن تقع أيضا ضمن نطاق مقياس التداخل VLBI، ومن ثمّ يمكن مقارنتها بالثقب *Sgr A. وقد بيّنا مؤخّرا أنّ ثاني أفضل ثقب يجب استهدافه هو الثقب الأسود الذي يُعتقَد بوجوده في مركز المجرّة الإهليليجية العملاقة M87. ويقع هذا الثقب الأسود على مسافة تُقدَّر بـ55 مليون سنة ضوئية بعيدا عنّا، وحتى وقت قريب، بلغ التقدير المعياري لكتلته من قبل الفلكيين نحو ثلاثة مليارات من كتلة الشمس، مما يعطيه صورة ظلّيّة مُتوقَّعة أصغرَ قليلا من نصف مقاس صورة الثقب *Sgr A. ولكن في الشهر6 /2009، استخدم <K.گيبهاردت> [من جامعة تكساس] و<J.توماس> [من معهد ماكس پلانك للفيزياء غير الأرضيّة في ألمانيا] أحدثَ البيانات الفلكيّة، وقاما بتحديث نماذج توزيع النجوم والمادة المعتمة (المظلمة) في المجرّة M87، ليستنتجا أنّ كتلة ثقبها الأسود تقارب 6.4 مليار كتلة الشمس، وهذا يكفي لأن يجعل صورته الظليّة نحو ثلاثة أرباع قطر الصورة الظلّيّة للثقب *Sgr A.

يتفوَّق ثقبُ المجرّة M87 في نواح عدة ــ على زميله الثقب*Sgr A كهدف واعد ولافت للانتباه. فهو يمتلك نفثا دفقيا مفعما بالنشاط والحيوية يمتدّ حتى 5000 سنة ضوئية، وسوف يزوّدنا تمييزُ المنطقة المُطلِقة للنفث بمعلومات حاسمة فيما يتعلَّق بجهود النظريّين الحثيثة من أجل فهم هذه التدفّقات نحو الخارج ذات السرعات النسبوية العالية. وعلى خلاف الثقب *Sgr A، يقع ثقب المجرة M87 في نصف الكرة الشمالي للقبة السماوية، وهذا ما يجعله ــ مقارنة بالنصف الآخر ــ أكثر قابلية للتعامل معه بمقياس التداخل VLBI باستخدام المراصد المتوفِّرة الحالية، والتي لا يقع إلاّ قسمٌ صغيرٌ نسبيا من أطباقها في الجنوب. إضافة إلى ذلك، وبما أنّ حجم ثقب المجرة M87 أكبر بنحو 2000 مرّة من حجم الثقب *Sgr A، فإنّ التغييرات الديناميكية التي تطرأ عليه سوف تحدث خلال مقاييس زمنية بالأيام بدلا من الدقائق. فقيمة دورُ الحركة المدارية the orbital period بالقرب من الحافة الداخلية لقرص التراكُم المتعاظِم، محصورة بين نصف أسبوع وخمسة أسابيع (حسب مقدار تدويم الثقب). وهكذا، يجب أن يكون الحصول على صور متتالية للأحداث المتجلِّية أمرا أسهل بكثير في حالة ثقب المجرة M87 منها في الآخر. وأخيرا، فمن المرجَّح جدا أن تعاني الصورُ ذات الميز العالي درجة أقلّ من ذلك النوع من التشويش والضبابية الذي يفرضه الغاز ما بين النجوم الفاصل بيننا وبين الثقب *Sgr A. وفي الوقت الراهن, تبلغ دقةُ التمييز في أفضل صور مقياس التداخل VLBI المأخوذة للمجرة M87 بأطوال موجية من 2 إلى 7 ميليمتر، نحو 100 ميكرو قوس-ثانية، وهي قيمة أكبر بمرّتَين من مقاس الصورة الظلّيّة للثقب الأسود التي نتوقّعها.
 

 [التصوير]
 
اصطياد الوحش(*********)
    يقوم الفلكيّون ببناء وتطوير عدة صفيفات من المقرابات الراديوية تهدف إلى تكوين شبكة من المراصد (الشكل الأيسر) تغطّي الكرة الأرضية بمجملها، بحيث يمكنها أن ترصد الثقب الأسود*Sgr A ومناطق الجوار المباشر له باستخدام أطوال موجية قريبة من 0.87 و1.3 ميلّيمتر («نافذتان» لا تُمتصان بقدر كبير من قبل الغلاف الجوّي للأرض، ولا تبعثران من قِبَل الغاز ما بين النجوم). وسوف يسمح الحجمُ الكبير للشبكة بإجراء أرصاد ذات قوة ميز كافية لإنتاج صور من أفق حدث الثقب*Sgr A.
   ومن المتوقع أن يكشف لنا المظهرُ الذي سيبدو عليه الثقب *Sgr A معلومات حول اتّجاه منحى قرص التراكُم المتعاظِم لهذا الثقب بالنسبة إلى اتّجاه خطّ نظرنا، وحول مقدار سرعة تدويم الثقب (أي دورانه حول نفسه). وتُعتبَر هاتان المعلومتان من أهمّ الحقائق الأساسية التي يجب معرفتها عن منظومة الثقب *Sgr A، وهما ضروريّتان لفهمِ جميع الأشياء الأخرى التي تأتينا من أرصاده (أدناه). وفي المناسبات العارضة التي تتوهجّ خلالها بقعةٌ ساطعة في قرص التراكُم المتعاظِم، يشكِّل الأثر العدسي التثاقلي للثقب الأسود عدّةَ صور جزئية للبقعة المعنية (الصفحة المقابلة). وإذا أمكننا تمييزُ هذه الصور الجزئية، فستزوّدنا بمعلومات تفصيلية عن الحقل التثاقلي قربَ الثقب الأسود، وهذا سيشكّل اختبارا صارما لمدى صحة تنبّؤات النسبية العامة.
 تجميع البيانات
    يعتبر الصفيف المتّحد للأبحاث في مجال علم الفلك الموجي الميلّيمتري (كارما)(19) المقام في منطقة Cedar Flat في كاليفورنيا (في الأعلى) واحدا من عدّة صفيفات مقرابية راديوية يقوم علماء الفلك بتطويرها وتعديلها كي تتمكّن من رصد أفق حدث الثقب الأسود *Sgr A. وتستطيع شبكةٌ من أمثال هذه المراصد (في اليمين) تفصل بينها خطوط قاعدية baselines بطول آلاف الكيلومترات (خطوط) ــ أن تستغلَّ تقنية تسمى مقياس التداخل ذي الخطّ القاعدي الطويل جدا لإنتاج صور ذات ميز resolution مماثل بدقّته لما كان سيعطيه طبقٌ راديوي بحجم كوكب الأرض. هناك أربعة صفيفات (لون أخضر) جاهزةٌ اليوم للعمل سوية، في حين أن هناك صفيفين (لون زهري) لا يزالان في مرحلة البناء والتطوير، أمّا الصفيف الأخير (لون أزرق) فلا يحتاج إلاّ إلى تكييفه وتعديله ليكون ملائما لعمليات الرصد باستخدام أطوال موجية أقل من الميليمتر.

 ماذا يمكن للصورة الظلّيّة أن تكشف؟
    تبيّن المحاكاة الحاسوبية كيف سيبدو قرصُ تراكُم متعاظِم يدور حول الثقب *Sgr A تبعا لاتّجاه منحى القرص ولمقدار تدويمه. وتحتوي الصور الثلاث (في أقصى اليمين) على التأثيرات الضبابية المشوِّشة التي يسبِّبها الغاز ما بين النجوم.
    وتقع الشبيكة grid الإحداثية الخضراء في مستوي قرص التراكُم المتعاظِم، متمركزة على الثقب الأسود. وتقع حلقةُ الشبيكة الأكثر توغّلا نحو الداخل على أفق حدث الثقب. ويسبّب انحناءُ الضوء الناجم عن ثقالة الثقب أو ما يُعرَف بالأثر العدسي التثاقلي gravitational lensing effect تشوّهَ منظر الشبيكة، ويؤدي كذلك إلى تكبيرِ الصورة الظلّيّة للثقب. وبما أنّ قرص التراكُم المتعاظِم يدور حول الثقب بسرعات تقترب من سرعة الضوء، فإنّ النسبية الخاصة special relativity تُظهِر آثارها جاعلة جانبَه المتحرّكَ نحونا (الجانب الواقع إلى يسار أفق الحدث في الرسم المرافق) أكثرَ سطوعا من الجانب المبتعد عنا. وفي الصورة السفلية، يسبّب الاندفاع الزاوي الكبير angular momentum للثقب الأسود انحرافا إضافيا للضوء، وهذا ما يزيد من تشوّه رؤيتِنا للمستوي الاستوائي ويغيّر بطريقة درامية مظهرَ الغاز المتعاظِم التراكُم.
    وهكـــذا، يمكننـا عبر مقارنــة صـور الثقــب *Sgr A بالمحاكيات الحاسوبية أن نحدّد اتّجاه منحى المنظومة ومقدار تدويم الثقب، ويمكن لذلك أيضا أن يزوّدنا ــ من خلال مقاس الصورة الظلّيّة ــ بتقدير جديد لكتلة الثقب.


قياس الثقالة بواسطة الصور العدسيّة
    يستطيع الفلكيّون قياسَ شدة الثقالة في الجوار القريب جدا من ثقب أسود عن طريق تحليل مجموعة من الصور الجزئية (تمّ التقاطها بواسطة الأثر العدسي التثاقلي) لبقعة برّاقة وساطعة موجودة في قرص تراكُم متعاظِم. ويبيّن الشكل (في الأعلى) صورةَ محاكاة تمثِّل بقعة برّاقة وساطعة بالقرب من ثقب أسود يدور بسرعة معتدلة، وقد لُوّنَت للدلالة على الصور الجزئية الثلاث المكوِّنة لها والتي تشرحها الرسوم المعروضة في الأسفل.
    تتشكّل الصورةُ الأولية (المنطقة الزرقاء) من الموجات الراديوية التي سلكت أكثرَ المسارات استقامة ومباشرة من البقعة نحو الأرض (الخطّ الأزرق). وبفضل ثقالة الثقب الشديدة يمكن لبعض الأشعة التي أصدرتها البقعة في وقت أبكر أن تسلك مسارا متعرّجا حول الثقب (الخط الأخضر)، وتصل إلى الأرض في الوقت نفسه مشكِّلة بذلك الصورةَ الثانوية (المنطقة الخضراء). وتولِّد الأشعةُ التي أُطلِقت قبْل أشعة الصورة الثانوية والتي أتمّت دورة كاملة حول الثقب الأسود (الخط الأحمر) الصورةَ الثالثية التي لا تُرى إلاّ بالكادّ (المنطقة الحمراء). وبما أنّ مواضعَ الصور الجزئية وأشكالها تعتمد على كيف تحني الثقالة الضوء في مواقع متنوّعة من الجوار القريب جدا من الثقب الأسود، فإنّ تحليلا كاملا لمجمل الصورة سوف يبيّن لنا ما إذا كانت النسبية العامة تصف بشكل صحيح الثقالةَ في تلك الأماكن أم لا.


ومن أجل الثقبين*Sgr A و M87 ثمة توقع مثير للاهتمام على المدى البعيد، وهو إمكانية تصوير التوهّجات المفاجئة التي نراها في إصداراتهما من وقت لآخر. وإذا كانت بعض هذه التوهّجات المفاجئة ناجمة عن بقع برّاقة وساطعة ضمن تدفّق المادة المتعاظِمة التراكُم (كما يظنّ معظم النظريّين)، فإنه يمكن استخدامها لوضع خريطة ذات تفاصيل دقيقة للزمكان حول أفق الحدث. وسيرافق الصورةَ الرئيسية لكلّ بقعة صورٌ إضافية موافقة لأشعة ضوئية تصل إلى المراقِب عبر طرق غير مباشرة تلتوي حول الثقب [انظر الإطار في اليمين]. إن أشكال ومواقع الصور ذات المراتب الأعلى تكوّد بنية الزمكان بالقرب من الثقب الأسود، وستزوّدنا بالفعل بقياسات مستقلّة لهذه البنية حسب الأماكن المختلفة التي تجتازها رزمة الأشعة الضوئية الخاصّة بكلّ صورة. فإذا أخذنا مجمل هذه البيانات معا؛ فسوف تمثّل اختبارا جديّا لتنبّؤات النسبية العامة عن سلوك الثقالة الشديدة بالقرب من الثقوب السوداء.

تدخل اليوم الأرصاد المتعلِّقة بالثقوب السوداء عصرا ذهبيا. فبعد مرور نحو قرن على وضع آينشتاين لنظرية النسبية العامة، نجد أنفسنا أخيرا في وضع يسمح لنا باختبار مدى صحة وصف هذه النظرية للثقالة ضمن الشروط الاستثنائية الموافقة للثقوب السوداء. وسيزوّدنا التصوير المباشر للثقوب السوداء بجهاز اختبار جديد كي نقارن نظرية آينشتاين بمنافساتها من النظريات البديلة. وعندما تصير صور الثقبين*Sgr A و M87 متوفّرة، فإننا سنكون قادرين على استقصاء وفحص بنية الزمكان بالقرب من الثقوب السوداء بشكل تفصيلي.

المؤلفان
 
Abraham Loeb - Avery E.Broderick 
بدأ تعاونَهما العلمي سنة 2005 في معهد النظريات والحاسوبيات The Institute for Theory and Computation ــ الذي يديره <لويب> حاليا ــ في مركز هارفارد ــ سميثسونيان للفيزياء الفلكية.

ويعمل <بروديريك> حاليا باحثا مشاركا متقدما في المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية the Canadian Institute for Theoretical Astrophysics بجامعة تورنتو، وقد كان رائدا في الحثّ على تصوير الثقوب السوداء الفائقة الكتلة.

 أمّا <لويب>؛ فهو أستاذُ علم الفلك في جامعة هارفارد، وقد أجرى دراسات نظريّة طليعية عن النجوم الأولى وعن الثقوب السوداء الفائقة الكتلة وعن انفجارات أشعة گاما واندلاعاتها.

 مراجع للاستزادة   

Event-Horizon-Scale Structure in the Super massive black hole candidate at the galactic center.
Shepherd S. Doeleman  et al .in Nature, Vol . 445, Page 78-80; September 4,2008.

Imaging the black hole silhouette of M87: implication for jet formation and black hole spin.
 Avery e. Broderick and Abraham loeb in Astrophysical  Journal, Vol.697,pages  1164-1179; June 1,2009.

The Event Horizon of Sagittarius a* .Avery.  Broderick and Abraham loed and Ramesh  Narayan  astrophysical  journal, vol .701, Pages 1357 _1366;
August 20,2009.

Imaging an Event-Horizon : Submm-vlbi of a super massive black hole. Sheperd  s.doeleman. Sheeperd S. Doeleman et al. in ASTRO2010 Decadal Review. Online at arxiv.org/abs/0906.3899

Inside Black Holes. Andrew J.S. Hamilition. Includes animations of descent into ablack hole. Online at jilawww.colorado.edu/~ajsh/insidebh

U.C.L.A Galactic Center Group Web site: www.astro.ucla.edu/~ghezgroup/gc

(*) Portrait of a Black Hole
(**) Driving Questions
(***) Lair of a monster.  
(****) Stalking the Behemoth from afar.
(*****) distant signs of black holes.
(******) A Window with a View.
(*******)Closing in on The Giant. 
(********) Portrait of a Monster
(*********) Shooting the Beast.


(1) Sagittarius A*
(2)انظر: «Black Stars, Not Holes,» by Carlos Barcelo - Stefano Liberati - Sebastiano Sonego - Matt Visser;
Scientific American, October 2009
(3)time reversibility
(4)curvature، أو تَحدب.
(5)spin، سپين أو تدويم.
(6)the innermost stable circular orbit
(7)spinning
(8)asymmetry
(9)space-time
(10)gravitational waves
(11)The very Large Array
(12)انظر: «Ripples in Spacetime», by: W.Wayt Gibbs; Scientific American, April 2002
(13)أو الانعراج
(14)Very Long Baseline Interferometry، مقياس التداخل ذي الخط القاعدي الطويل جدا
(15)Very Long Baseline Array، الصفيف ذو الخط القاعدي الطويل جدا..
(16)The European VLBI Network، شبكة التقنية VLBI الأوروبية.
(17) microarcsecond
(18) Doppler effect
(19) Combined Array for Research in Millimeter-Wave Astronomy: CARMA
 

الجمعة، 8 فبراير 2013

السـرطان: الأيض.. في مقعد السائق

السـرطان: الأيض.. في مقعد السائق

يتزايد الاقتناع بأنّ التغيّرات الأيضيّة الحادثة في الخلايا السرطانيّة قادرة على الدفع بتكوّن الورم، وقد عزّز من هذه النظرة ما تمّ التوصّل إليه من أنّ بروتين «سيرت6-» أو SIRT6 يعمل على تثبيط تكوّن الورم عبر تنظيم عمليّة الأيض.
Nature 
يُرافق عمليّة تكوّن الأورام السرطانيّة عمليّات مكثّفة من إعادة البرمجة لأيض الطاقة الخلويّة1؛ حيث يصحب هذه التغيّرات السرطانيّة تحوّل أيضي يُطلق عليه «تأثير واربرج» Warburg effect، يقوم بدوره بتنشيط عمليّة التحلّل السكرّي عبر مسار كيميائي حيوي يعمل على تعزيز نمو الورم عبر توفير ودعم المتطلّبات المرتفعة للخلايا السرطانية من الطاقة والتخليق الحيوي، وقد أثبتت براهين النمو السرطاني أنّ اتّجاه ذلك التحوّل بعيدًا عن التحلّل السكّري قد يُمثّل استراتيجيّةً ناجعةً لتثبيط نمو الورم السرطاني، وهو ما قدّم عليه سيباستيان وزملاؤه2 في دوريّة «الخلية» Cell مزيدًا من الأدلّة؛ حيث أشاروا في كتاباتهم بها إلى أنّ البروتين «سيرت-6» يقي دون تكوّن الأورام، عن طريق مجابهة البرامج الأيضيّة المنشّطة للتكوّن السرطاني. وما يُثير الانتباه أنّ ذلك البروتين ليس إنزيمًا أيضيًّا تقليديًّا، ولكنه عبارة عن بروتين يقوم بتنظيم تكامل وسلامة التعبير الجيني3؛ حيث يرى سيباستيان وزملاؤه أنّ البروتين «سيرت-6» يمكنه عبر التنظيم الجيني أن يعمل كعقدة أيضيّة رئيسة يُمكن استهدافها لمكافحة السرطان.
تشتمل عمليّات نشأة وتقدّم الأورام على خطوات عديدة، تقوم الخلايا في أثنائها باكتساب عديد من البصمات المميّزة للسرطان، ومنها مقاومة الموت الخلوي والهروب من إشارات النمو والتثبيط، وهو ما يسمح لها بتخطّي نقاط الفحص الطبيعيّة أثناء عمليّة التكاثر الخلوي4. وقد أظهرت الأبحاث المتتالية التي أُجريت على الخلايا المستنبتة أنّ مسارات خلويّة عديدة يجب أن تخضع لاضطراب يُضفي بدوره الطبيعة السرطانيّة على تلك الخلايا5؛ ففي الخلايا الجذعية الجنينيّة للفئران (MEFs) قد يتسبّب تعطيل جين واحد من الجينات المثبّطة للأورام إلى التأبيد الخلوي، وهو الخاصيّة المميّزة للخلايا السرطانيّة بالانقسام دون توقّف، ولكن جدير بالذكر أنّ هذه الخلايا لا تكون سرطانيّة ولا تتسبّب في تكوين أورام عند زراعتها في داخل الفئران، مالم تحدث اضطرابات أُخرى لمسارات إضافيّة أُخرى، سواءً كانت مثبّطةً أم معزّزةً لتكوين الأورام.
وقد اكتشف سيباستيان وزملاؤه أنّ نقص البروتين «سيرت-6» أو SIRT6 يُمثّل «دفعةً» إضافيةً للزج بالخلايا الجذعية الجنينيّة للفئران (MEFs) المؤبّدة نحو التحوّل لتصبح خلايا سرطانية، كما تمكّنوا من ملاحظة زيادة فرص تكوّن ونمو أورام القولون والمستقيم السرطانيّة في فئران التجارب عند نقص ذلك البروتين في الخلايا السرطانيّة، وبالتالي فإنّ فقدان البروتين «سيرت-6» يعمل على تعزيز عمليتي نشأة وتقدّم الأورام السرطانيّة (الشكل 1)، وهو ما يتماشى بشدّة مع الاكتشافات السابقة الّتي اعتبرت ذلك البروتين أحد مُضادّات نشوء الأورام السرطانيّة6 وأحد عوامل التحكّم في عديد من مسارات تثبيط الأورام3.
<p><b>الشكل 1</b> على الطريق نحو السرطان. لكي تتحوّل خليّة طبيعيّة لتُصبح خليّة سرطانيّة لا يجب تحوّلها للتأبيد فحسب وإنّما باكتساب القدرة على الانقسام إلى مالا نهاية عبر الهروب من مواضع الفحص الخلوي بالإضافة إلى غير ذلك من التغيّرات السرطانيّة وبالتالي تستطيع الخلايا السرطانيّة التطوّر لتكوّن الأورام بدورها، ويُشير سيباستيان وزملاؤه إلى قدرة البروتين سيرت-6 على الوقاية من نشوء وتقدّم السرطان عبر تثبيط العمليّات الأيضيّة المرتبطة بالسرطان مثل التحلّل السكّري وتخليق البروتينات، وتطرح الأدوار الّتي يلعبها البروتين سيرت-6 ؛ حيث يُمكنه الإسهام في تثبيط الأورام في المراحل الأخرى من تطوّر السركان (الخط المتقطّع).&nbsp;</p>
الشكل 1 على الطريق نحو السرطان. لكي تتحوّل خليّة طبيعيّة لتُصبح خليّة سرطانيّة لا يجب تحوّلها للتأبيد فحسب وإنّما باكتساب القدرة على الانقسام إلى مالا نهاية عبر الهروب من مواضع الفحص الخلوي بالإضافة إلى غير ذلك من التغيّرات السرطانيّة وبالتالي تستطيع الخلايا السرطانيّة التطوّر لتكوّن الأورام بدورها، ويُشير سيباستيان وزملاؤه إلى قدرة البروتين سيرت-6 على الوقاية من نشوء وتقدّم السرطان عبر تثبيط العمليّات الأيضيّة المرتبطة بالسرطان مثل التحلّل السكّري وتخليق البروتينات، وتطرح الأدوار الّتي يلعبها البروتين سيرت-6 ؛ حيث يُمكنه الإسهام في تثبيط الأورام في المراحل الأخرى من تطوّر السركان (الخط المتقطّع).
كبر الصورة
وقد ساعد تحليل قواعد بيانات الأورام البشريّة سيباستيان وزملاءہ على التحقّق من الفكرة القائلة بأنّ البروتين «سيرت-6» يعمل كمثبّط أساسي للنمو السرطاني؛ فقد تعرّفوا على الكثير من الحذف ضمن جينات ذلك البروتين، بالإضافة إلى الانخفاض الشديد في مستويات الحمض النووي الريبوزي الخاص به في الحالات المُصابة بأورام البنكرياس والمستقيم. كما تمكّنوا من إظهار الدّور الذي يلعبه انخفاض مستويات ذلك البروتين في النتائج السيّئة التي يقابلها هؤلاء المرضى. وجدير بالذكر أن هذه النتائج لها تأثيرات إكلينيكية تطبيقيّة، منها: قد يعمل التعبير الجيني عن البروتين «سيرت-6» كدلالة حيويّة للتنبّؤ بمآل الأورام السرطانيّة، كما قد تعمل مركّبات تنشيط البروتين كعقاقير فعّالة لعلاج السرطان. والحقيقة أنّ البروتين «سيرت-6» يتمتّع بعدد من المزايا الّتي تجعل منه هدفًا دوائيًّا واعدًا؛ وبخاصّة ما يتميّز به من طبيعته كإنزيم عالي الانتقائيّة، يقوم بإزالة مجموعات الأسيتيل من القليل من البروتينات فحسب3، كما تتطابق جميع وظائفه الخلويّة المعروفة مع الآثار النافعة في سياق علاج السرطان. ولذا.. فقد يحمل التنشيط العلاجي البروتين سيرت-6 أعراضًا جانبيّة تقل عن تلك الناشئة عن تعديل نشاطات المزيد من الإنزيمات المتحلّلة.
هناك أيضًا نمو مطّرد في الأدلة على الدّور الّذي تلعبه مثبّطات الأورام في التحكّم بعديد من النواحي البيولوجيّة الخاصّة بالسرطان. وليس البروتين سيرت-6 بمنأىً عن تلك التطوّرات (الشكل 1)؛ حيث يحول دون انكسار الكروموسومات، أو إعادة الارتباط غير الطبيعي، بالإضافة إلى تعزيز عمليّة إصلاح الحمض النووي DNA كجزء من الأنشطة الّتي تحول دون حدوث طفرات تدفع بعمليّة تقدّم الأورام السرطانيّة، فضلًا عن تنظيم برامج التعبير الجيني الّذي يلعب دورًا مهمًّا في تكوّن وتطوّر الأورام السرطانيّة؛ فعلى سبيل المثال.. يحول البروتين «سيرت-6» دون التنشيط الجيني الزائد بواسطة المركّب NF-κB، أحد عوامل النسخ الّتي تعزّز من التكاثر الخلوي، ومقاومة إشارات الموت الخلوي، فضلًا عن العمليّات الأيضيّة والالتهابيّة التي تعزّز من نشوء ونمو الأورام. ويُشير سيباستيان وزملاؤه إلى تأثير تثبيطي آخر للبروتين «سيرت-6»، يتمثّل في الحد من التعبير عن الجينات المُتضمّنة في عمليّة تصنيع البروتينات الّتي يتم تنشيطها بواسطة الجين السرطاني «MYC» المعزّز للنمو السرطاني.
ورغم هذه الآليات وغيرها من آليات تثبيط الأورام الّتي يُمكن للبروتين «سيرت-6» القيام بها، فإنّ ما يقترحه الباحثون هو التغيّرات الأيضيّة الناتجة عن تثبيط هذا البروتين الضروري لتحويل تلك الخلايا إلى سرطانيّة؛ فمن المؤكّد أنّ بروتين «سيرت-6» يقوم بمنع تنشيط الجينات بواسطة المركّب HIF1، أحد عوامل النسخ الّتي تقوم بتنشيط الإنزيمات الرئيسة في عمليّة التحلّل السكّري، كما تزيد من امتصاص الجلوكوز بواسطة الخلايا. ويُظهِر الباحثون أن انعكاس التحلّل السكّري المتزايد في الخلايا السرطانيّة ناقصة بروتين «سيرت-6» ـ عن طريق تثبيط إنزيمات التحلّل السكّري، أو إعادة تقديم البروتين «سيرت-6» ـ قد يقلّل من قابليّة تلك الخلايا للتحوّل السرطاني.
وجدير بالذكر أنّ ممّا يقترحه سيباستيان وزملاؤه أنّ زيادة التحلّل السكّري الناتج عن فقدان البروتين «سيرت-6» كاف بذاته لنشوء ونمو الأورام، حتّى دون حدوث تغيّرات سرطانيّة اُخرى، وهو ما سيُعدّ استثناءً، حيث سيكون تغيّر جيني واحد كافيًا لتحويل الخلايا الطبيعيّة إلى خلايا سرطانيّة على النقيض من القاعدة الّتي تشترط حدوث اضطرابات في عدد من المسارات لحدوث التحوّل السرطاني. لذا.. فإنّ ثبوت مثل هذا الاستثناء قد يضع التغيّرات الأيضيّة المرتبطة بفقدان البروتين سيرت-6 كدافع قوي للتحوّل السرطاني، يفوق في تأثيره أغلب الطفرات المعروفة بالفعل.
وعوضًا عن ذلك فإنّ التأثيرات الأخرى الناتجة عن فقدان البروتين «سيرت-6» على مسارات تثبيط الأورام قد تعزّز بدورها من المراحل الأولى من التطوّر السرطاني، ولذا.. فمن الضروري أن يُبذل المزيد من الجهد لمعرفة مدى إسهام الوظائف المختلفة للبروتين «سيرت-6» في الوقاية من السرطان، وكيف تتداخل هذه الوظائف مع التحكّم الأيضي الخلوي, كما يجب تحديد ما إذا كان فقدان البروتين «سيرت-6» يتسبّب في نشوء الورم تلقائيًا في الحيوانات. وقد أُجريت دراسة7 هذا العام لتقييم نقص البروتين «سيرت-6» في الفئران لمدّة بلغت 17 شهرًا من العمر، وتمثّلت المفاجأة في غياب أيّة براهين على تكوّن ونمو الأورام. ورغم الأعداد الضئيلة للفئران الّتي خضعت للفحص، فإنّ تلك الملاحظات قد بدت غريبةً، مقارنةً باحتماليات التحوّل السرطاني للخلايا ناقصة البروتين «سيرت-6» الّتي وصفها سيباستيان وزملاؤه بما يجعل من الدراسات الجماعية الكُبرى للفئران ناقصة البروتين «سيرت-6» أمرًا ضروريًا للوصول إلى نتيجة نهائيّة فيما يتعلّق بالطرح.
ما هي الآليات الجزيئية الكامنة وراء التغيّرات الأيضيّة الّتي تُصيب الخلايا ناقصة البروتين «سيرت-6»؟ يلعب كل من مساري المركّبين HIF1 وMYC أدوارًا محوريّةً في البرمجة الأيضيّة للخلايا السرطانيّة والإشارات الّتي يحملها المركّب NF-κB، إضافة إلى عدم الاستقرار الجيني، وهي الأدوار الّتي تعزّز من عمليّأت التحلّل السكّري1,6، فربما حال بروتين «سيرت-6» دون إعادة التوجيه الأيضي في نشوء وتطوّر السرطان عبر عديد من المسارات التي ربما كانت مسهبةً أو عاملةً في أنواع بعينها من الخلايا، أو في ظروف فسيولوجيّة معيّنة.
ويرى سيباستيان وزملاؤه أنّ تثبيط عمليّة التحلّل السكّري قد تُستخدم في علاج الأورام الّتي تتميّز بانخفاض مستويات البروتين «سيرت-6». وما يُثير الاهتمام هو الاعتقاد الناتج بأنّ تنشيط بروتين «سيرت-6» قد يُؤدّي دورًا علاجيًّا مفيدًا، حتّى في الأورام الناشئة، دون حدوث تغيّرات في البروتين سيرت-6 ؛ فعند زيادة كميّة أو نشاط البروتين سيرت-6، تقل احتماليّة التحوّل السرطانيّ للخلايا المتحوّرة بواسطة غيره من الأسباب السرطانيّة، وهو ما قد يؤدّي في النهاية إلى استغلال تنشيط البروتين «سيرت-6» في تثبيط السرطان على نطاق واسع. وجدير بالذكر أنّ البروتين «سيرت-6» يعمل على إضعاف عمليّات الشيخوخة الّتي تصيب الخلايا، كما أنّ زيادة نشاطه في الفئران قد يزيد من عمرها الافتراضي3,8. لذا.. فإنّ تنشيط البروتين «سيرت-6» قد لا يمثّل استراتيجيّةً لمكافحة السرطان فحسب، وإنّما قد يصبح تداخلًا طبيًّا وقائيًّا على مدار العمر.
  1. Levine, A. J. & Puzio-Kuter, A. M. Science 330, 1340–1344 (2010).
  2. Sebastián, C. et al. Cell 151, 1185–1199 (2012).
  3. Tennen, R. I. & Chua, K. F. Trends Biochem. Sci. 36, 39–46 (2011).
  4. Hanahan, D. & Weinberg, R. A. Cell 144, 646–674 (2011).
  5. Hahn, W. C. et al. Nature 400, 464–468 (1999).
  6. Min, L. et al. Nature Cell Biol. 14, 1203–1211 (2012).
  7. Xiao, C. et al. J. Biol. Chem. 287, 41903–41913 (2012).
  8. Kanfi, Y. et al. Nature 483, 218–221 (2012).
  1. Division of Endocrinology, Gerontology and Metabolism, Stanford University School of Medicine; and at the VA Palo Alto Health Care System, Geriatric Research, Education and Clinical Center, Palo Alto California 94304, USA

    • لويزا تاسيلي,
    • كاترين ف. شوا

فيزياء حرارية: تصاعد سخونة التداخل الكَمِّي

فيزياء حرارية: تصاعد سخونة التداخل الكَمِّي

تأثير حراري تم التنبؤ به منذ أكثر من 40 عامًا كاد أن يصبح نسيًا منسيًّا، بينما سَرقتْ ظاهرةٌ ذات صلةٍ الأضواءَ. والآن، وبعد التثبت منها بالتجربة، قد يحفز التأثير تطوير أجهزة تحكم حراري.
ريموند و. سِيموندز

Nature |
أليسَ غريبًا أن تكون هناك مادة ذات خاصية توصيل حراري يمكن تغييرها بمجال مغناطيسي؟ تخيل أنك تمسك طرف قضيب مصنوع من هذه المادة، وأن الطرف الآخر موضوع في نار حامية. لن تحترق يدُك، طالما أبقى رفيق لك قضيبًا ممغنطًا بعيدًا عن القضيب، لكن حالما يتم إطلاق مجال مغناطيسي، فستلسعك حرارة القضيب! كم يبدو هذا غريبًا، إلا أن قواعد ميكانيكا الكم (الكوانتم) تتنبأ بمثل هذه الحالة التي تنتقل فيها الحرارة عبر زوج من وصلات جوزيفسون (تتكون من موصلين فائقين تفصلهما فجوة عازلة رقيقة). وكان جيازوتو ومارتينِز-پيريز1 قد وصفا مؤخرًا بمجلة «نيتشر» تجارب تؤكد إمكان حدوث هذه الظاهرة الغريبة في الواقع.
 في عام 1962، قام بريان جوزيفسون باكتشاف2 جدير بالملاحظة عندما كان طالبًا بالدراسات العليا، إذ بينما كان يختبر ما الذي قد يحدث إذا وُضِع اثنان من المعادن فائقة التوصيل بالقرب من بعضهما جدًّا، دون أن يتلامسا. لقد وجد أن «أزواج كـوبر» من الإلكترونات التي تولد التيار الفائق (الذي يَسْري دون مقاومة) في الموصلات الفائقة قد تقفز بأعجوبة، أو تتخذ «نفقًا»، عبر الفجوة، دون الحاجة إلى تطبيق جهد كهربي.
ويعتمد حجم التيار الفائق المتدفق عبر «حاجز النفق» هذا على ما إذا كان الموصلان الفائقان عند أيٍّ من حافتي الفجوة لهما نفس الطور، أم لهما طور مختلف. وهي خاصية لدالة موجية بميكانيكا الكَمّ تصف سلوك «أزواج كوبر». ففي موصل فائق ضخم، نجد أن أي تغيرات طورية في الدالة الموجية بين المناطق المحلية تسبِّب سريان تيار فائق. وعلى جانب آخر، يؤدي إجبار أي تيار فائق على السريان إلى إنتاج فروق طورية، حتى عَبْرَ حاجز رقيق غير موصل أو عازل.
<p><b>الشكل 1 | أداة تداخل كمي فائقة التوصيل بتيار مستمر (d.c.-SQUID).</b> <b>أ</b> في أجهزة d.c.-SQUID، توجد حلقة توصيل فائق تحتوي على وصلتي جوزيفسون ـ حواجز عازلة رقيقة (أصفر) مشطورة بين موصلين فائقين (أحمر وأزرق). <b>ب</b> أقصى تيار كهربي (I، أسود، المحور الأيسر) يسري عبر الجهاز من اليسار إلى اليمين يمكن أن يتم تغييره تماما بواسطة قدر من الفيض المغناطيسي (ɸ) يمر عبر الحلقة. Io هو أقصى تيار يمكن سريانه عبر أجهزة d.c.-SQUID؛ ɸo هو فيض مغناطيسي كمي، 2.07 × 10<sup>-15</sup> ويبر. جيازوتو ومارتينِز-بيريز لاحظا تأثير تداخل لسريان الحرارة (Q، أحمر، المحور الأيمن؛ Qo هو أقصى إجمالي لتيار سريان الحرارة) عبر أجهزة d.c.-SQUID؛ إجمالي كمية الحرارة التي تمر عبر الجهاز يمكن أيضا تعديلها بواسطة تطبيق فيض مغناطيسي.</p>
الشكل 1 | أداة تداخل كمي فائقة التوصيل بتيار مستمر (d.c.-SQUID). أ في أجهزة d.c.-SQUID، توجد حلقة توصيل فائق تحتوي على وصلتي جوزيفسون ـ حواجز عازلة رقيقة (أصفر) مشطورة بين موصلين فائقين (أحمر وأزرق). ب أقصى تيار كهربي (I، أسود، المحور الأيسر) يسري عبر الجهاز من اليسار إلى اليمين يمكن أن يتم تغييره تماما بواسطة قدر من الفيض المغناطيسي (ɸ) يمر عبر الحلقة. Io هو أقصى تيار يمكن سريانه عبر أجهزة d.c.-SQUID؛ ɸo هو فيض مغناطيسي كمي، 2.07 × 10-15 ويبر. جيازوتو ومارتينِز-بيريز لاحظا تأثير تداخل لسريان الحرارة (Q، أحمر، المحور الأيمن؛ Qo هو أقصى إجمالي لتيار سريان الحرارة) عبر أجهزة d.c.-SQUID؛ إجمالي كمية الحرارة التي تمر عبر الجهاز يمكن أيضا تعديلها بواسطة تطبيق فيض مغناطيسي.
كبر الصورة
لاحِظْ أيضًا ماذا يحدث عندما تشكل الموصلات الفائقة دوائر كهربية مغلقة، مثل الحلقات. الآن الطور الكلي الذي يتراكم حول الحلقة عندما يسري التيار الفائق يجب أن يكون عددًا صحيحًا مضروبًا في «2π»، للحفاظ على استمرارية الدالة الموجية. وهذا يسبب فيضًا مغناطيسيا في النظام؛ فيصير مثبت القيمة (مُكَمًّى). ويمكن الجمع بين تأثير جوزيفسون مع تثبيت قيمة (تكمم) الفيض هذا؛ لإنتاج أداة3 تداخل كمي فائقة التوصيل بتيار مستمر. وفي هذه الأجهزة، يمكن لمسار توصيل فائق منفصل مع وصلتي جوزيفسون استدامة أقصى تيار فائق، ويمكن تعديل سعته بمقدار الفيض المغناطيسي الذي يثقب الحلقة (الشكل 1). وتُعدّ أجهزة التداخل الكمي هذه من بين أكثر المجسَّات حساسيةً للفيض المغناطيسي على الإطلاق، ووجدت طريقها لعديد من التطبيقات العملية3.
 وإضافة إلى التيار الفائق المعتمد على الطور، اكتشف2 جوزيفسون تيارين آخرين، يُوجَدان عندما يُوجَد فرق جهد محدود عبر الوصلة. وقد تولدت هذه التيارات بسبب تنفيق أشباه الجسيمات (إلكترونات وحيدة من أزواج كوبر منفصلة) أو أشباه جسيمات مع أزواج كوبر. كان النوع الأول على غرار تدفق الإلكترونات خلال وصلات معدنية- معدنية عادية، لكن النوع الثاني من التيار كان غريبا بعض الشيء؛ فهو ينطوي على عملية ديناميكية وقع بها تنفيق في الوصلة، جنبًا إلى جنب مع عمليات انفصال وإعادة اتحاد «أزواج كوبر». ولأن «أزواج كوبر» منخرطة هنا، فإن هذا التيار ينبغي أن يبدي تأثيرات تداخل مناظِرة لتلك المشاهَدة في أجهزة تداخل كَمِّي فائقة التوصيل بتيار مستمر (تقوم فيها الفروق في طور الدالة الموجية المتراكم على طول مساري حلقة بتوليد تداخل بنـَّاء، أو هدَّام)، لكن التجارب الكهربائية التي تقيس كميًّا بوضوح سلوك «تيار التداخل» ظلت بعيدة المنال4.
والسؤال الآن.. لماذا كل هذا الحديث عن التيارات الكهربية والخواص الحرارية؟ وفقًا لقانون وايدمان فرانز، فإن التوصيل الحراري لمعدن يتناسب طرديًّا مع توصيله الكهربي (ومع درجة الحرارة)، لأن الإلكترونات يمكنها نقل بعض السخونة في معدن. وبعد ثلاث سنوات فقط من عمل جوزيفسون المتواصل، اقتـُرح على المستوى الأكاديمي5 أن التوصيل الحراري عبر وصلة جوزيفسون يجب أن يتضمن كلًّا من تدفق أشباه الجسيمات، وتيار التداخل الغريب الذي يتأثر بالطور خلال الوصلة. وقد تحققت معظم نبوءات جوزيفسون بالتجربة خلال العقد التالي لاكتشافه، لكن هذه النبوءة ظلت كامنة لأعوام عديدة6.
لاحظ جيازوتّو ومارتينز-بيريز مؤخرًا تأثير تداخل سريان الحرارة في دراسة تستخدم أساسًا نفس ترتيب جهاز التداخل الكمي فائق التوصيل ومستمر التيار «d.c.-SQUID» كالذي استـُخدِم من أجل التجارب الكهربية. وعن طريق تسخين جانب واحد من ذلك الجهاز (الجانب الأحمر في الشكل 1) ومراقبة الفرق في درجة الحرارة عبرها، تحقق الباحثون من أن إجمالي تدفق الحرارة خلال الجهاز يمكن تعديله بتطبيق فيض مغناطيسي، تماما كما في النبوءة7. وتيار سخونة التداخل له خاصية مميزة، هي قدرته على توصيل الطاقة في الاتجاه المعاكس لانخفاض درجة الحرارة عبر وصلة. وهذا ما سمح للباحثين الحد من توصيل سخونة أشباه الجسيمات بواسطة ضبط فرق الطور عبر كل وصلة باستخدام فيض مغناطيسي، في حين حافظوا على صافي توصيل الحرارة في اتجاه انخفاض درجة الحرارة، مما يتوافق مع القانون الثاني للديناميكا الحرارية.
إن تداخل الكم (الكوانتم) لتيارات الحرارة التي قام بقياسها جيازوتو ومارتينِز- بيريز شيء فريد في نوعه، فهو لا يشبه التأثيرات الحرارية الكهربية القياسية المكتشفة في أوائل القرن التاسع عشر(حيث يتم تحويل الفروق في درجة الحرارة إلى جهد، والعكس بالعكس) والتأثيرات الأعجب ذات الصلة، حيث ينخرط هنا تطبيق مجالات مغناطيسية. إنها تشبه تأثيرات التداخل الناجم عن «انعكاس أندرييڤ» ضمن حلقات تشكلت من وصلات بين معادن عادية وموصلات فائقة8، لكن تلك التأثيرات ما زالت كهروحرارية في طبيعتها.
والأنظمة التي لديها خواص حرارية وكهربية ومغناطيسية وحرارية الترابط مهمة للغاية في عمل أجهزة تحكم حراري عملية. واستكشاف الموصلات الفائقة، والوصلات الذرية والجزيئية، أو أنظمة مستوى النانو الأخرى، قد يؤدي (وفي بعض الحالات أدى بالفعل) إلى تطوير محركات حرارية، أو ثلاجات بحجم رقاقة، وآلات حصد الطاقة9. أما محدودية أجهزة الموصلات الفائقة، فتتمثل في أنها تحتاج درجات حرارة منخفضة لكي تعمل، لكن هناك تطبيقات تعد ميزة بسبب ظروفها المبردة. وأحد الأمثلة مجس حافة الانتقال، وهو جهاز لكشف الفوتونات، كان له أثر ضخم على علم الفلك الراديوي10. وهذه المجسات، والأجهزة الأخرى التي تقيس شدة الإشعاع الكهرومغناطيسي الساقط قد تستفيد من اكتشاف جيازوتو ومارتينِز-بيريز. إن جهازا يمكن ضبط توصيله الحراري سريعا باستخدام فيض مغناطيسي قد يساعد في التخلص من الحرارة الناتجة عن بيكسلات كاميرا تليسكوب الراديو، مما يزيد معدل إظهار الأطر (اللازمة) لالتقاط الصور، وتقليل إجمالي الوقت المطلوب لرسم خريطة للسماء.
  1. Giazotto, F. & Martínez-Pérez, M. J. Nature 492, 401–405 (2012).
  2. Josephson, B. D. Phys. Lett. 1, 251–253 (1962).
  3. Clarke, J. & Braginski, A. I. (eds) The SQUID Handbook (Wiley-VCH, 2004).
  4. Langenberg, D. N. Rev. Phys. Appl. 9, 35–40 (1974).
  5. Maki, K. & Griffin, A. Phys. Rev. Lett. 15, 921–923 (1965).
  6. Guttman, G. D., Nathanson, B., Ben-Jacob, E. & Bergman, D. J. Phys. Rev. B 55, 3849–3855 (1997).
  7. Giazotto, F. & Martínez-Pérez, M. J. Appl. Phys. Lett. 101, 102601 (2012).
  8. Eom, J., Chien, C.-J. & Chandrasekhar, V. Phys. Rev. Lett. 81, 437–440 (1998).
  9. Dubi, Y. & Di Ventra, M. Rev. Mod. Phys. 83, 131–155 (2011).
  10. Irwin, K. D. Sci. Am. 295, 86–94 (2006).
  1. Quantum Metrology Division, National Institute of Standards and Technology, Boulder Colorado 80305, USA

    • ريموند و. سِيموندز

كوراث كوكبية: قد يحدث ذات ليلة

كوراث كوكبية: قد يحدث ذات ليلة
كـوارث الماضـي سـوف تقــــــــــع مجــدَّدًا.. لكننـــــا لا نعــرف متــى.
نيقولا جونز

Nature

منذ مئة ألف سنة، تصدَّعت كتلةٌ ضخمة من بركان «مونا لوا» Mauna Loa بجزيرة هاواي، وانزلقت نحو البحر، وأطلقت موجةً عاتية، ارتفعت عاليًا مثل برج أيفل، وبلغت سفوحًا لجزيرة قريبة. هذا التسونامي الهائل ليس بالحادث الوحيد؛ فقد شهدت الأربعون ألف سنة الماضية على الأقل عشرة انهيارات أرضية عملاقة؛ ألقت بأكثر من 100 كيلومتر مكعب من الصخر بشمال المحيط الأطلسي وحده، كل انهيار منها قادر على إحداث موجات يصل علوها من عشرات إلى مئات الأمتار. ومِثْل هذا الحدث لا مناص من تكرار وقوعه في وقت ما آخر، رغم أن أحدًا لا يعلم أيقع هذا غدًا، أم بعد عشرة آلاف عام.
Credit: ANDY POTTS

في هذا الأسبوع، نشر المنتدى الاقتصادي العالمي تقريره لعام 2013 عن المخاطر العالمية، وتضمَّن قِسمًا ـ بالتعاون مع مجلة «نيتشر» ـ عن عوامل إكس (X factors): وهي المخاطر منخفضة الاحتمال، شديدة التأثير، الناجمة أساسًا من النشاط البشري (انظر: go.nature.com/outhzr). هذا.. ولكن في عالم الطبيعة هناك مخاطر لا يمكن التنبؤ بها.. فالسجل الجيولوجي حافل بالأدلة على وقوع كوارث نادرة مهولة، تتراوح من اصطدامات كويكبية، مرورًا بالبراكين العظمى إلى انفجارات أشعة جاما. تتناول «نيتشر» بعض الأحداث المهدِّدة للحياة، التي قد يُلقِي بها في طريقنا كوكبُ الأرض، أو حتى الكون الفسيح.

الموت بالبركان

الأرض الآن في منتصف احتدام نشاط بركاني فائق1.. فخلال الـ13.5 مليون سنة الأخيرة، حدث ما لا يقل عن 19 اندلاعًا عملاقًا، قذف كل منها بأكثر من ألف كيلومتر مكعب من الصخر، وهو ما يكفي لتغطية قارة بأكملها ببضعة سنتيمترات من الرماد، والزَّج بالكوكب في «شتاء نووي». وكان أحدثُ تلك الاندلاعات هو بركان «توبا» Toba في إندونيسيا، الذي ثار منذ 74 ألف سنة، وكان حدثا كارثيًّا، لدرجة أن بعض العلماء ينحون عليه، باللائمة باعتباره هو الذي بدأ العصر الجليدي الأخير، وخَفَّضَ تعداد البشر إلى نحو 10 آلاف نسمة. ويشير أحد التقديرات1 إلى أن هناك احتمالًا بنسبة %1 لاندلاع بركاني فائق العنف في فترة تتراوح بين الـ460 و7200 سنة المقبلة.
إن أصغر أربعة براكين عظمى وأكثر أنظمتها نشاطًا في العالم هي: «توبا» في إندونيسيا، و«كامبي فليجري» Capmi Flegrei في إيطاليا، و«يِلوستون» Yellowstone في شمال غرب الولايات المتحدة الأمريكية، و«توبو» Taupo في نيوزيلندا. وتجري مراقبة جميع الأنظمة البركانية الأربعة من حيث الأمواج الهوجاء والموجات الزلزالية ـ مجموعات من الزلازل الصغيرة تشير إلى صهارة متحركة ـ وكلها من حين إلى آخر تُصْدِر هذه الإشارات، لكن لا أحد يدري ما إذا كانت نتيجةُ كل انفجار ستكون صغيرة، مثل نفثة بخار، أم أكثر خطرًا بكثير، كاندلاع حمم عظيم. يقول شان دي سيلفا عالِم البراكين بجامعة أوريجون، بمدينة كورفاليس: «إذا كان شيء ما يختمر، سنحصل على إنذارات قبلها بساعات وأيام وأشهر»، ثم يستدرك: «أما حجمه، فليس لدينا مؤشرٌ عليه».
وللمساعدة في الإجابة على هذه الأسئلة، يحفر العلماءُ الآن في قلب أهم البراكين المرشحة للانفجار التالي؛ جُفـْرَة caldera «كامبي فليجري»؛ وهي فوهة بركانية بعرض 13 كيلومترًا، تحتضن مدينة نابولي. منذ عام 1969، نتأت الأرض في «كامبي فليجري» إلى أعلى بحوالي 3.5 متر، والعلماء حريصون على معرفة ما إذا كان المسؤول عن ذلك هو بخار من تحت الأرض، أم بركة صهارة. وقد جاءت النوبات السابقة من النشاط البركاني في الجفرة بعدما ارتفع سطح الأرض عدة أمتار أو أكثر2. ويرجح الباحثون أن نشاطًا كبيرًا قد يحدث في العقود أو القرون القليلة القادمة. وللوقوف على (مدى) الخطر، يخطط العلماء في «كامبي فليجري» لحفر الفوهة بعمق 3 كيلومترات، رغم مخاوف بعض الباحثين من أن يُطلِق الحفرُ زلازلَ أو انفجارًا.
وأحد أهداف الحفر هو دراسة بركة الصهارة تحت الفوهة؛ فكلما كانت أكثر ضحالة وانصهارًا (سيولة)، تعاظمت فرص اندلاع الانفجار العظيم. إن تشخيص مثل تلك البرك من خلال الدراسات الزلزالية أمر صعب، وهامش الخطأ ضخم. لذا.. يقول دي سيلفا: «نحن حقًّا نتلمَّس طريقنا في الظلام». ويقدِّر العلماء أن ما بين %10 و%30 من الصهارة أسفل «يِلوستون»، مثلاً، سائلة، أي أقل قليلًا من نسبة الـ%50 التي يُعتقَد أنها لازمةٌ لحدوث انفجار عظيم، لكنّ جيوبًا من الصهارة السائلة في الحجرة (الصهارية) لا تزال قادرة على إحداث اندلاعات أكبر بعدة أضعاف من انفجار سنة 1980، الذي اندلع من بركان «جبل سانت هيلينز» بولاية واشنطن، وهذا ما يحذِّر منه جاكوب لوينستِرن، رئيس مرصد بركان يلوستون التابع للمساحة الجيولوجية الأمريكية في ميلنوبارك بكاليفورنيا.
يقول لوينستِرن إن الجهود الرامية إلى الحفر في «كامبي فليجري» وقياس معالم، مثل درجة الحرارة، ونفاذية الصخور ينبغي أن تساعد الباحثين في تفسير التصوير السيزمي بدراسات بـِرَك الصهارة. ويضيف لورانستِرن موضحًا «إذا أردنا أن نكون قادرين على تصوير الأرض بنجاح، فإننا نحتاج من وقت إلى آخر أن نعمل شقوقًا استراتيجية قليلة في جسم المريض». أما بالنسبة إلى مخاطر الحفر، فإن لوينستِرن مقتنع بأن المشروع سيكون له تأثير ضئيل، ويقول للتقريب «إنها مثل وخز فيل بالإبر». لقد أنهى فريق «كامبي فليجري» حفر الـ500 متر الأولى من بئر اختبار في ديسمبر 2012، دون وقوع حادث. كما حفر علماءُ الزلازل بأمانٍ ثقبًا بالحجم نفسه في جُفرة لونج فالي في كاليفورنيا، وهي موقع بركان عظيم ثار منذ 760000 سنة، يحمل في طياته الاحتمال القاتل نفسه لبركان «يِلوستون» العظيم.
وحتى يُعرف أكثر عن هذه الأنظمة، فإن على المجتمعات أن تتقبَّل أن خطر الثوران العظيم حقيقيٌّ، لكنه بعيد حتى الآن. يقول لوينستيرن إنه على الرغم من أن فرص وقوع بركان في عامنا هذا ضئيلة، «إلا أن الفرصة ممكنة من الناحية النظرية».

الموت بفعل الفطريات

على الرغم من أن الفيروسات والبكتيريا تجتذب اهتمامًا أكبر، إلا أن الفطريات هي أشد الكائنات فتكًا على كوكب الأرض.. فمن بين كل مسببات الأمراض التي يتم تعقُّبها، تسببت الفطريات في أكثر من %70 من حالات الانقراض المسجَّلة عالميًّا وإقليميًّا3، وتهدد الآن البرمائيات والخفافيش والنحل. ولقد كشفت مجاعة البطاطس الأيرلندية في أربعينات القرن التاسع عشر لأي مدى يمكن أن تكون مسببات الأمراض هذه مدمِّرة. إن الفطر المسبِّب (لمرض اللفحة المتأخرة) infestans Phytophthora (كائن حي، يشبه الفطريات، وغالبا ما يُصَنَّف معها) محا نحو ثلاثة أرباع محصول البطاطس في أيرلندا؛ وأدَّى إلى وفاة مليون شخص.
ولا تزال آفة البطاطس (اللفحة المتأخرة) تشكل تهديدًا.. فالسلالة 13_A2 شديدة الشراسة من الفطر لا تزال مستشرية في أوروبا وشمال أفريقيا. وعبر الكوكب، يتسبب هذا الفطر في تلفيات سنوية قُدِّرت بنحو 6.7 مليار دولار أمريكي، وفق تقديرات4 عام 2009. ومن الناحية النظرية تقدِّر سارة جور ـ وهي متخصصة في علم أمراض النبات بجامعة أوكسفورد بالمملكة المتحدة ـ أن انتشار الإصابة بمحصول البطاطس من شأنه أن يحرم نحو 1.3 مليار نسمة من الغذاء كل عام. وهناك محاصيل أساسية أخرى تواجه تهديدات مماثلة؛ مثل الفطر المسبِّب للفحة الأرز (Magnaporthe oryzae)، وتَفَحُّم الذرة (Ustilago maydis)، وصدأ فول الصويا (Phakopsora pachyrhizi)، وصدأ ساق القمح (Puccinia graminis). وفي السنوات الأخيرة خفضت السلالة الفائقة Ug99 المسبِّبة لصدأ الساق الإنتاجية في أجزاء أفريقيا بنسبة تصل إلى %80.
وتواصل جور قائلة إنه إذا أصيبت كل المحاصيل الأساسية الخمسة مع تفشٍّ فطري في الوقت نفسه، فإن أكثر من %60 من سكان العالم يمكن أن يجوع. وتضيف جور: «ذاك الأمر كارثي، بيد أنه من غير المحتمل أنْ يكون كأحد أفلام جيمس بوند». ويضيف ديفيد هيوز ـ وهو متخصص في علم الحيوان بجامعة ولاية بنسلفانيا في جامعة بارك ـ قائلًا إن الإرهابيين يمكنهم استخدام الفطريات لتعيث فسادًا من خلال استهداف المحاصيل ذات الأهمية الاقتصادية. ففي ثمانينات القرن العشرين ـ على سبيل المثال ـ أتت عدوى ربما كانت مدبَّرة عن عَمْد على أخضر ويابس محاصيل الكاكاو في شمال البرازيل، وغيَّرت التركيبة السكانية للبلاد والبيئة عندما انتقل الناسُ من المَزارع غير المنتجة إلى المدن؛ وتسببت في إزالة المزيد من الغابات المطيرة. يقول هيوز: «إذا كنتَ تريد زعزعة استقرار العالم، يمكنك بسهولة أن تُدخِل مرض لفحة المطاط إلى جنوب شرق آسيا»، الذي من شأنه أن يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل ذات آثار اقتصادية وسياسية.
تقول جور إن الزراعة الحديثة فاقمت ضَعْفَ المجتمعات بتشجيع المزارعين على زراعة سلالات المحاصيل نفسها ذات الإنتاجية العالية؛ مما تسبب في الحدّ من مجموعة متنوعة من جينات المقاومة لدى النباتات. وتستطرد قائلة: «لقد انحرفنا بسباق التسلح لصالح مسببات الأمراض.. وهذا هو السبب في أننا على شفا كارثة».
يقدِّر الباحثون أن هناك من 1.5 مليون إلى 5 ملايين نوع من الفطريات في العالم، لكن مئة ألف فقط هي التي تم تحديدها. إن التقارير عن أنواع جديدة من العدوى الفطرية في النباتات والحيوانات ارتفعت لحوالي عشرة أضعاف منذ 1995 (مرجع 3). وترى جور أن تغير المناخ ربما يكون متهمًا.
وهناك داع آخر لقلق البشر، ففي العقد الماضي، تكيَّف نوع من الفطريات Cryptococcus gattii ليزدهر في أماكن أكثر برودة، وغزا غابات شمال غرب المحيط الهادئ في أمريكا الشمالية. وبحلول 2010، أصابت عدواه حوالي 280 شخصًا، مات العشرات منهم بسببه. وعلى الرغم من عدم انتقال الفطريات بسهولة من شخص إلى آخر، مثل الفيروسات، فيمكن للعوامل المضادة للفطريات التصدِّي بفعالية لمعظم أنواع العدوى، إلا أنه لا تزال هناك أسباب تدعو إلى القلق.. فالفطريات مستمرة في التطور، وما إنْ تترسخ في نظام بيئي، يصبح من المستحيل تقريبًا محوها منه، والقضاء عليها.
وبالنظر إلى تلك الاتجاهات، نجد أن الخبراء يقولون إن الفطريات لم تَلْقَ اهتمامًا كافيًا من الباحثين والحكومات. لذا.. يقول ماثيو فيشر، الباحث في الأمراض الناشئة بالكلية الملكية في لندن: «سأكون مندهشًا للغاية إذا قتلتْ عدوى فطرية مفاجئة جماعةً كبيرة من الناس، ولكن الأمر ليس مستحيلًا»، ويستدرك قائلا: «إن التهاون ليس مستحسَنًا كمنهاج للعمل».

الموت مِنْ عَلٍ

إن السماوات يحملن الكثير من التهديدات.. فالشمس تطلِق من حين إلى آخر انفجارات شمسية بأحجام أكبر من المألوف؛ الأمر الذي يؤدي إلى حرق شبكات الكهرباء بتوليد تيارات شديدة في الأسلاك. وقد أضرمت أحدث العواصف الشمسية الكبرى (في عام 1859) النيرانَ في مكاتب البرق. واليوم، قد تبطش عاصفةٌ ذات حجم مماثِل بالأقمار الاصطناعية، وتعطل شبكات الكهرباء لعدة شهور، وربما لفترة أطول. وقد يتسبب هذا في خسائر اقتصادية تقدَّر بتريليونات الدولارات.
 وربما كان انفجار شمسي أكبر من هذا بنحو 20 ضعفًا قد ضرب الأرض في عام 774، وفق ما يظن أدريان ميللوت، عالِم العلوم الكونية بجامعة كنساس في لورنس، وبريان توماس، عالِم الفيزياء الفلكية بجامعة واشبورن في توبيكا بولاية كنساس. يقول ميللوت: «إن هذا ليس حدثًا لانقراض» ثم يكمل قائلاً: «ولكنه بالنسبة إلى حضارة تكنولوجية، قد يقتل مئات الملايين من الناس، ويعود بنا إلى الوراء 150 عامًا». ولحسن الحظ، هناك طرق لتخفيف هذا السيناريو الأسوأ في حال حدوثه؛ إذ يمكن للمهندسين حماية الشبكة بواسطة (أنظمة) التأمين عند الخلل، أو عن طريق إيقاف تشغيل الطاقة في مواجهة انفجار وارد.
والكارثة القادمة ـ حسب ترتيب التأثير ـ هي الاصطدام بمذنب كبير، أو كويكب. فمنذ 65 مليون سنة، ارتطم كويكب ـ عرضه 10 كيلومترات ـ بالأرض؛ وتسبب في انقراض جماعي بنهاية عصر الطباشيري؛ لذا.. يُعتقد أن صخورًا عرضها 2 كيلومتر قد تُحْدِث انقراضًا على نطاق أصغر، إذا ارتطمت بالكوكب مرة أو مرتين كل مليون سنة. إن الفلكيين يبذلون وسعهم لتسجيل الكويكبات في جوار الأرض، واقتفاء آثارها، والعلماء يختبرون طرقًا لتحويل أيّ تهديدات حقيقية عن مسارها، وجَعْلها تنحرف.
وهناك خطر آخر بعيد يندر حدوثه، لكن لا يمكن تفاديه، وهو عاصفة إشعاعية ناتجة من انفجار قريب لأشعة جاما. وربما كان أكثر ما يخيف من تلك الانفجارات العلوية هو انفجارات أشعة جاما «القصيرة النفاذة»، التي تنشأ بسبب اندماج عنيف لاثنين من الثقوب السود، أو النجوم النيوترونية، أو لمُرَكَّب (منهما). وإذا توجهت عاصفة مثل تلك الانفجارات نحو الأرض من بُعد في حدود 200 فرسخ فلكي (أقل من %1 من المسافة عبر مجرة درب التبانة)، فإنه قد يغمر الأرض بفوتونات عالية الطاقة تمحو %30 من طبقة الأوزون الواقية بالغلاف الجوي لحوالي عقد من الزمان5. إنَّ حدثًا كهذا يُتوقع وقوعه كل 300 مليون سنة، أو نحو ذلك، وسوف يضاعف كمية الأشعة فوق البنفسجية التي تصل إلى الأرض، ويحرق العوالق النباتية، التي تشكل قاعدة الشبكة الغذائية في المحيطات.
وما من طريقة يدري بها علماء الفلك إذا كان حدث نادر هكذا وشيكـًا، أم بعيدًا.. فالنجوم النيوترونية صغيرة ومعتمة، لذا.. ليس هناك «كتالوج» لتلك القريبة التي نحن في مرماها. يقول توماس: «إننا لن نراها وهي قادمة». وفي عمل لم يُنشر بعد، يقدر توماس أن حدثًا كهذا قد يتسبب في زيادة أضرار الأشعة فوق البنفسجية على المحاصيل بنسبة %60، وفي خفض يناهز %60 في إنتاجية المحاصيل.
ومن مسافة حوالي 2000 فرسخ فلكي، قد تتسبب أيضًا انفجارات أشعة جاما «الطويلة الضعيفة» ـ التي تنجم عن انهيار أكبر النجوم كتلةً ـ في إحداث انقراض، لكن هذه الأحداث أندر من الانفجارات القصيرة النَّفَّاذة، وأيسر في رصدها مسبقًا، لأنها تأتي من نجوم أكبر وأكثر سطوعًا. إن نظام النجمين WR 104 ـ الذي يبعد عن الأرض بنحو 2500 فرسخ فلكي ـ بعيد بما فيه الكفاية بجانب دورة حياته التي يتوقع أن تنفجر في وقت ما قادم بعد بضع مئات الآلاف من السنين، على الرغم من أن شعاع الانفجار من غير المرجح أن يصل إلى الأرض.
ويُحتمَل أن انفجارًا لأشعة جاما قد ضرب الأرض من قبل. ويرى ميللوت وتوماس وزملاؤهما أن الانقراض الكبير في نهاية عصر الأوردوفيشي، منذ 440 مليون سنة، قد يكون مَبعثه ناجمًا عن انفجار أشعة جاما، وقد محا بعض الأنواع من خلال التعرض للأشعة فوق البنفسجية، وقتل غيرها بسبب توليده لظُلَّة ضبابية من ثاني أكسيد النيتروجين6 حجبت ضوء الشمس عن الأرض. وهذا يفسر السبب في أن بعض الأنواع انقرضت قبل أن تبرد الأرض خلال تلك الفترة. وهذا يتسق ونمط الانقراض، الذي يُظْهِر أن من بين الكائنات البحرية كانت أكبر أعداد للقتلى في العوالق، وأنواع الكائنات الحية الأخرى التي تعيش في الجزء العلوي من المحيط.
يقول توماس إنّ أيًّا من هذه الكوارث المحتمَلة لا يُتوقّع أنْ يوقظه ليلًا، ولكنْه مطمئن إلى أن «هناك بعض الأغذية المعلبة لديه في الطابق السفلي»، كاحتراز احتياطي في حال وقوع أية كارثة.

الموت بالمياه

منذ ثمانية آلاف سنة، انزلقت الرواسب التي تغطي مساحة تحت الماء بحجم اسكتلندا من مراسيها قبالة الساحل الغربي للنرويج، وتسابقت متجهةً نحو قاع البحر. وَلَّد انزلاق «ستوريجا» Storegga موجات تسونامي اندفعت بارتفاع 20 مترًا على الأقل إلى جزر شتلاند القريبة، وربما اكتسح بعض القبائل الساحلية ومحاها، كما أنه ضرب الشطآن المحيطة بشمال أوروبا. والندبة التي تركها على قاع المحيط تمتد بطول 300 كيلومتر تقريبًا. «إنها ضخمة للغاية، وأنا لا أستخدم كلمة (ضخمة) باستخفاف» هكذا يقول بيتر تولينج، وهو متخصص في علم الرواسب في جامعة ساوثهامبتون بالمملكة المتحدة، ويقود مشروعًا لتقييم مخاطر تعرض البلاد لانزلاقات مماثلة.
إنّ المملكة المتحدة ليست الدولة الوحيدة المعنِيّة بالانهيارات الأرضية العملاقة تحت البحر. يقول الجيوفيزيائي يوري تِن برينك: «بالتأكيد هناك مناطق لديها إمكانية». يعمل برينك في هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية في وودز هول بولاية ماساتشوستس، وقد أجرى دراسة في عام 2008 عن المصادر المحتملة (لإحداث) موجات تسونامي على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، إذ إن بعض محطات الطاقة النووية في مرمى هذه الموجات. يقول تِن برينك: «ثمة أكوام من الرواسب هنا وهناك في أيامنا هذه، أكبر بكثير من رواسب ستوريجا أيا كانت»، بما في ذلك الرواسب التي بطول ساحل آلاسكا الجنوبي، وقبالة دلتات أنهار الأمازون، والنيجر، والنيل. إن الانهيارات الأصغر هي الأكثر احتمالًا، ولكنها يمكن أن تكون ذات وقع كبير محليًّا، وغالبًا ما تقع دون سابق إنذار. ففي عام 1998، تَسَبَّب زلزالٌ صغير نسبيًّا ـ قوته (7 درجات) ـ في انهيار أرضي تحت الماء؛ ما أطلق موجات تسونامي ارتفاعها 15 مترًا، وصلت إلى بابوا غينيا الجديدة؛ مما أسفر عن مقتل 2200 شخص.
يقول الباحثون إنه من الصعب تقدير حجم التهديد من الانهيارات البحرية، ولا سيما تلك العملاقة. لذا.. يقول تِن برينك: «هناك معلومات قليلة للغاية عن الأحداث التي يندر حدوثها جدًّا»، ثم يختم برينك بقوله: «إن علينا فقط أن نتعلم قدر ما نستطيع».
  1. Mason, B. G., Pyle, D. M. & Oppenheimer, C. Bull. Volcanol. 66, 735–748 (2004).
  2. Isaia, R., Marianelli, P. & Sbrana, A. Geophys. Res. Lett. 36, L21303 (2009).
  3. Fisher, M. C. et al. Nature 484, 186–194 (2012).
  4. Haas, B. J. et al. Nature 461, 393–398 (2009)
  5. Melott, A. L. & Thomas, B. C. Astrobiology 11, 343–361 (2011)
  6. Melott, A. L. et al. Int. J. Astrobiol. 3, 55–61 (2004).