الخميس، 14 فبراير 2013

أصل الحياة على الأرض

أصل الحياة على الأرض(*)
أدلة جديدة تلمّح إلى كيفية نشوء أولى
المتعضيات(1) (الكائنات الحية) من مادة غير حية.
<A.ريكاردو> - <W.J.زوستاك>


مفاهيم مفتاحية
   وجد الباحثون طريقة قد يكون الجزيء الجيني الرنا(2) RNA تشكل من خلالها ابتداءً من كيماويات وجدت على الأرض المتشكلة حديثا.
   دعمت دراسات أخرى النظرية التي تقول إنه يمكن لخلايا بدائية تحوي جزيئات تشبه الرنا أن تتكون تلقائيا وأن تتكاثر وتتطور معطية بذلك للحياة نشأة.
   يهدف العلماء الآن إلى تكوين متعضيات صنعية ذاتية(3) التضاعف في المختبر - وبشكل أساسي يهدفون إلى إعطاء الحياة بداية جديدة من أجل فهم الآلية التي يمكن أن تكون قد نشأت عنها لأول مرة.
محررو ساينتفيك أمريكان

إن كل خلية حية، بما فيها أبسط أنواع البكتيريا، تزخر بآلات جزيئية غريبة يحسدها عليها أي عالم تقانات نانوية. ومع اهتزازها أو التفافها أو زحفها المتواصل في أرجاء الخلية، تقطع هذه الآلات، وتلصق وتنسخ جزيئات جينية، وتقوم بنقل المغذّيات من مكان إلى آخر أو تحولها إلى طاقة، وتبني أو تصلح الأغشية الخلوية، وتنقل الرسائل الميكانيكية والكيميائية والكهربائية - والقائمة تطول وتطول؛ كما أن اكتشافات جديدة تضاف دائما إلى هذه القائمة.

إنه لمن المستحيل تقريبا فهم الكيفية التي يمكن لآلات الخلية، وهي في الغالب حفازات catalysts أساسها پروتيني تدعى الإنزيمات enzymes، أن تكون قد نشأت تلقائيا عندما نشأت الحياة للمرة الأولى من مادة غير حية, وذلك منذ نحو 3.7 بليون سنة. وللتأكيد، فإنه تحت الشروط الصحيحة، تتشكل بعض قوالب blocks بناء الپروتينات، وهي الأحماض الأمينية(4)، بسهولة انطلاقا من كيماويات أبسط، وذلك كما اكتشف <L.S.ميلر> و <C.H.يوري> [من جامعة شيكاغو] في تجاربهم الرائدة التي أجرياها في خمسينات القرن الماضي. ومع هذا، فإن الانتقال من الأحماض الأمينية إلى تشكل الپروتينات والإنزيمات مسألة مختلفة تماما.

إن العملية الخلوية التي تؤدي إلى صناعة الپروتين تستخدم إنزيمات معقدة تقوم بفصل جديلتي حلزون الدنا DNA المضاعف، وذلك من أجل استخلاص المعلومات المحتواة في الجينات (وهي البصمة الخاصة بالپروتينات) وترجمتها لتعطي المنتج النهائي. لذلك، فإن شرحا لكيفية بدء الحياة يستلزم التعامل مع مفارقة جدية وهي: إنه من أجل تصنيع الپروتينات يتطلب الأمر وجود الپروتينات نفسها إضافة إلى المعلومات المخزنة في الدنا.

ومن جهة أخرى، فإن هذه المفارقة ستختفي في حال أن المتعضيات الأولى لم تتطلب پروتينات على الإطلاق. وتوحي تجارب حديثة أنه كان ممكنا لجزيئات جينية شبيهة بالدنا أو بالجزيء الشديد القرابة له وهو الرنا أن تتشكل تلقائيا. ولأنه يمكن لهذه الجزيئات أن تلتف على نفسها لتأخذ أشكالا مختلفة وأن تقوم بدور حفازات بدائية، فمن الممكن أنها كانت قد أصبحت قادرة على أن تنسخ ذواتها - أن تتكاثر - من دون الحاجة إلى وجود الپروتينات. ومن الممكن أن أكثر أشكال الحياة بدائية كانت عبارة عن أغشية بسيطة مؤلفة من أحماض دسمة - وهي أيضا بنىً معروفٌ عنها أنها تشكلت تلقائيا - ضمت في داخلها الماء، وهذه الجزيئات الجينية ذاتية التضاعف. وهذه المادة الجينية تكوّد السمات التي ينقلها جيلٌ إلى الجيل الذي يليه، تماما كما يفعل الدنا لدى جميع الأشياء الحية في يومنا هذا. وإن ظهور طفرات بالصدفة وبشكلعشوائي أثناء عملية التضاعف سوف يدفع عملية التطور قُدُما، مما يمكن هذه الخلايا المبكرة early cells من التأقلم مع بيئتها، وأن تتنافس فيما بينها، لتصل في النهاية إلى أشكال الحياة التي نعرفها.

ربما يكون العلم قد فقد وإلى الأبد أية معلومات حول الطبيعة الحقيقية للمتعضيات الأولى والظروف الدقيقة لنشوء الحياة. ولكن باستطاعة البحث العلمي أن يساعدنا على فهم ما هو ممكن حول المتعضيات الأولى ونشأة الحياة. والتحدي الأساسي هو في بناء متعضية صنعية يمكن لها أن تتكاثر وأن تتطور. إن تكوين حياة من جديد سيساعدنا، بالتأكيد، على فهم كيف يمكن أن تبدأ الحياة، وما هو احتمال أن توجد في عوالم أخرى، وفي نهاية المطاف، معرفة ماهية الحياة.
كان لا بد أن تبدأ في مكان ما(**)

إن واحدا من أكثر الأسرارالمحيطة بنشأة الحياة صعوبة وإثارة هو الكيفية التي يمكن للمادة الجينية أن تكون قد تشكلت فيها ابتداءً من جزيئات أبسط كانت موجودة على الأرض الحديثة التشكل. وإذا ما أخذنا في الاعتبار الأدوار التي يتمتع بها الرنا في الخلايا الحالية؛ يبدو على الأرجح أن الرنا ظهر قبل الدنا. وعندما تصنع الخلايا الحالية الپروتينات، فإنها تنسخ الجينات أولا من الدنا لتصنع منها الرنا وتستخدمه بعد ذلك كبصمة blueprint من أجل صنع الپروتينات. ومن الممكن أن تكون المرحلة الأخيرة هذه قد وجدت في البداية بشكل مستقل، وأن الدنا كان قد ظهر لاحقا كشكل أكثر ديمومة من أجل تخزين المعلومات، وذلك بفضل ثباتيته الكيميائية المتفوقة.

ولدى الباحثين سبب إضافي للاعتقاد أن الرنا ظهر قبل الدنا. إن الشكل الرنوي للإنزيمات، ويدعى الإنزيمات الريبية (ريبوزيمات)(5) ribozymes، يؤدي أيضا دورا محوريا في الخلايا الحديثة. إن البنى structures التي تترجم الرنا إلى پروتين هي آلات هجينة رنوية، وإن الرنا فيها هو الذي يقوم بالعمل التحفيزي(6). وبذلك، يبدو أن كلا من خلايانا تحمل في ريبوزوماتها دليلا أحفوريا fossil على وجود عالَم رنوي بدائي(7).

لذلك، ركز الكثير من الأبحاث على فهم المنشأ المحتمل للرنا. إن الجزيئات الجينية كالدنا والرنا هي پوليميرات (8) polymers مصنوعة من قوالب بناء تدعى النيوكليوتيدات nucleotides. وبدورها، تمتلك النيوكليوتيدات مكونات رئيسية ثلاثة: سكر وفوسفات وأساس نووي. وتأتي الأسس النووية بأشكال أربعة وتشكل الأبجدية التي يكوّد من خلالها الپوليمر المعلومات. وفي نيوكليوتيد الدنا يمكن للأساس النووي nucleobase أن يكـون: A ، G ، C أو T، وهي للدلالة على الأدنين والگوانين والسيتوزين والثايمين؛


وفي أبجدية الرنا يحل الحرف U دلالة على اليوراسيل، محل الحرف T (انظر المؤطر في هاتين الصفحتين). إن الأسس النووية هي مركبات غنية بالنتروجين يرتبط بعضها ببعض وفقا لقانون بسيط: A تقترن بـ U (أو T)، وG تقترن بـ C. تشكل هذه الأزواج القاعدية درجات سُلَّم الدنا المفتول - الحلزون المزدوج المألوف - وازدواجها المميز هذا أساسيٌ من أجل نسخ صحيح وأمين للمعلومات مما يسمح بتكاثر الخلية. وفي الوقت نفسه، تشكل جزيئات السكر والفوسفات الهيكل الأساسي لكل جديلة من الدنا أو الرنا.

يمكن للأسس النووية أن تتجمع تلقائيا، وذلك في سلسلة من الخطوات، ابتداءً من السيانيد والأسيتيلين والماء - وهي جزيئات كانت بالتأكيد موجودة في المزيج الكيميائي البدائي. كذلك من السهل تشكل السكريات ابتداء من مواد ابتدائية. ومن المعروف منذ أكثر من 100 عام أنه يمكن الحصول على خلائط من طرز متعددة من جزيئات السكر عن طريق تسخين محلول قلوي (قاعدي) من الفورمالدهايد formaldehyde، وهو أيضا لا بد أنه كان متوافرا على سطح الكوكب الحديث التشكل. ومع ذلك، فإن المشكلة هي كيف يمكن الحصول على النوع «الصحيح» من السكر-الريبوز، في حالة الرنا - من أجل تصنيع النيوكليوتيدات. يمكن للريبوز، إضافة إلى ثلاثة أنواع من السكر الشديدة القرابـة، أن تتشكل من تفاعل نوعين أكثر بساطة من السكر يضمان - على التتالي - ذرتين وثلاث ذرات كربون. ومع ذلك، فإن مقدرة سكر الريبوز على التشكل بهذه الطريقة لا تحل مسألة الكيفية التي أدت إلى توفره بكثرة على سطح الأرض الحديثة التشكل، حيث يتبين أن الريبوز غير ثابت ويتحطم بسرعة وذلك حتى في محلول قلوي خفيف. وفي الماضي، قادت هذه الملاحظة العديد من الباحثين إلى الاستنتاج أنه من غير الممكن أن تكون الجزيئات الجينية الأُولى


[قوالب البناء]
الجزيئات الجينية الأولى(***)
    إن الكينونات الأولى على سطح الأرض والقادرة على التطور والتكاثر حملت معلوماتها الجينية على الأغلب في هيئة جزيء شبيه بالرنا، وهو قريب جدا من الدنا. وإن كلا من الدنا والرنا هي سلاسل من وحدات تدعى النيوكليوتيدات (مشار إليها في اليمين)، لذلك فالسؤال الرئيسي هو كيف أمكن للنيوكليوتيدات أن تنشأ للمرة الأولى من كيميائيات أبسط. ويمكن لكل من مكونات النيوكليوتيد الثلاث - الأساس النووي والفوسفات والسكر - أن يتشكل تلقائيا. ولكنها لا ترتبط تلقائيا ببعضها بعضا بالشكل الصحيح (انظر المركز). ولكن تجارب جديدة أظهرت أن طرازين على الأقل من نيوكليوتيدات الرنا، تلك التي تحوي أُسسا نووية nucleobases تدعى C و U، يمكن أن تكون قد نشأت من خلال طريق مختلف (أقصى اليسار). (في المتعضيات الحديثة، تتكون الأسس النووية للرنا من أربعـة أنواع هي A و C و G و U، وهي الأحرف الأبجدية الجينية).
نيوكليوتيدات فاشلة
   كان الكيميائيون لفترة طويلة غير قادرين على إيجاد طريق أمكن من خلاله للأسس النووية والفوسفات والريبوز (السكر الذي يدخل في تكوين الرنا) أن تتحد بشكل طبيعي لتشكل كميات من نيوكليوتيدات الرنا.
طريق جديد
   بوجود الفوسفات، فإن المواد الأولية للأسس النووية وسكر الريبوز تشكل أولا مركب «2- أمينوأوكزازول»، وهو جزيء يحوي جزءا من السكر وجزءا من أحد الأسس النووية C أو U. وتعطي التفاعلات اللاحقة وحدة كاملة من الريبوز-الأساس ribose-base وبعد ذلك نيوكليوتيد كامل. كما تنتج التفاعلات ائتلافات «خاطئة» للجزيئات الأصلية، ولكن بعد التعرض للأشعة فوق البنفسجية تنجو فقط الأشكال الصحيحة من هذه الائتلافات وهي النيوكليوتيدات.


 
ما هي الحياة؟(****)
   لقد جهد الباحثون طويلا لإيجاد تعريف «للحياة» بطريقة شاملة بما يكفي لتضم الأشكال غير المكتشفة منها بعد. ونورد هنا بعضا من العديد من التعاريف المقترحة:
1- اقترح الفيزيائي <E.شرودنگر> أن صفة معرِّفة للأنظمة الحية هي أنها تتجمع ذاتيا مخالفة بذلك نزوع الطبيعة إلى الفوضى، أو ما يدعى الإنتروپية entropy.
2- إن التعريف الذي صاغه الكيميائي <G.جويس> والذي تبنته وكالة الفضاء الأمريكية ناسا، هو أن الحياة هي «نظام كيميائي قادر على الاستمرار ذاتيا وعلى التطور وفقا للتطور الدارويني Darwinian evolution
3- إن التعريف السيبراني cybernetic الذي صاغه <B.كورزينيوسكي> ينص على أن الحياة هي شبكة من آليات التغذية الراجعة feedback mechanisms.

فـي الشـهـر 5/2009 أجاب <J.سذرلاند> ومعاونوه [من جامعة مانشستر في إنكلترا] عن سؤال في مجال الكيمياء السابقة لنشوء الحياة بقي من دون إجابة لفترة طويلة، وذلك من خلال إثباتهم أنه بإمكان النيوكليوتيدات أن تتشكل من تفاعلات كيميائية تلقائية (يبدو <سذرلاند> في الصورة في الأسفل (الثاني من اليسار) مع أفراد من مختبره).

قد ضمت الريبوز كجزء من تركيبها. ولكن أحدنا (<ريكاردو>) مع آخرين اكتشفوا طرائق يمكن من خلالها جعل سكر الريبوز ثابتا ومستقرا.

إن جزء الفوسفات من النيوكليوتيدات يقدم أحجية أخرى مثيرة للفضول والاهتمام. فالفوسفور - وهو العنصر المركزي في مجموعة الفوسفات - متوافر بغزارة في قشرة الأرض، حيث يفترض أن الحياة كانت قد نشأت. لذا، فإنه من غير الواضح كيف يمكن أن تكون الفوسفات قد وصلت إلى المزيج ما قبل الحيوي الذي هيّأ لنشوء الحياة. ويمكن لدرجات الحرارة العالية لفوهات البراكين أن تحوّل مواد معدنية محتوية على الفوسفات إلى أشكال من الفوسفات المنحلة، ولكن الكميات التي تتشكل، على الأقل قرب البراكين الحديثة، صغيرة. وهناك إمكانية توفر مصدر مختلف لمركبات الفوسفور يتمثل بمادة شريبرسيت(9) schreibersite، وهي معدن يوجد عموما في نيازك معينة.

في عام 2005 اكتشف كل من <D.لوريتا> و <M.پاسيك> [من جامعة أريزونا] أن تآكل (صدأ) الشريبرسيت في الماء يحرر جزأه الفوسفوري. وهذا المسار يبدو واعدا؛ لأنه يحرر الفوسفور في شكل أكثر انحلالا بكثير في الماء من الفوسفات، وأكثر تفاعلية مع المركبات العضوية (ذات الأساس الكربوني).

بعض التركيب مطلوب(*****)

إذا اعتبرنا أن لدينا على الأقل مخططا لمسارات محتملة تقود إلى تشكيل الأسس النووية والسكريات والفوسفات, فإن الخطوة المنطقية التالية ستكون ربط هذه المكونات فيما بينها بالشكل المناسب. ولكن هذه الخطوة كانت السبب في أشد الإحباطات التي واجهتها أبحاث كيمياء ما قبل الحياة prebiotic chemistry خلال العقود القليلة الماضية. فمجرد مزج المكونات الثلاثة بالماء لا يقود إلى التشكل التلقائي للنيوكليوتيد، وهذا يعود بشكل أساسي إلى أن كل تفاعل ربط يتضمن أيضا إطلاق جزيء ماء، وهذا ما لا يحصل غالبا بشكل تلقائي في محلول مائي. ومن أجل تشكل الرابطة الكيميائية اللازمة لارتباط هذه الجزيئات يجب تأمين طاقة، على سبيل المثال، عن طريق إضافة مركبات غنية بالطاقة لتساعد على حدوث التفاعل. ومن الممكن أن العديد من هذه المركبات كان قد وُجِد على سطح الأرض الحديثة التشكل. ولكن في المختبر، كانت التفاعلات التي غذتها مثل هذه الجزيئات بالطاقة غير فعالة في أحسن أحوالها، كما لم تكن ناجحة البتة في معظم الأحوال.

في ربيع عام 2009، وفي عمل ولّد إثارة كبيرة بين العاملين في هذا المجال من الأبحاث، أعلن <J.سذرلاند> ومساعدوه [من جامعة مانشستر في إنكلترا] أنهم وجدوا طريقة أكثر مصداقية توضح كيفية تشكل النيوكليوتيدات، وهذه الطريقة تتجاوز موضوع عدم استقرار

 
بدائل لنظرية «الرنا أولا»(******)
PNA أولا: إن پپتيد الحمض النووي (پنا) (10) PNA هو جزيء ترتبط فيه أسس نووية بهيكل أساسي شبيه بالپروتين. وبسبب كون پپتيد الپنا PNA أبسط وأكثر ثباتا كيميائيا من الرنا RNA، يعتقد بعض الباحثين أنه قد يكون الپوليمير الجيني لأشكال الحياة الأولى على الارض.
الأيض أولا: إن الصعوبات في شرح الكيفية التي تشكل فيها الرنا ابتداءً من مادة غير حية قادت بعض الباحثين إلى التنظير بأن الحياة نشأت في البداية كشبكات من محفزات تعالج الطاقة.
پانسپيرميا Panspermia: نظرا إلى أن عددا قليلا من مئات ملايين السنين تفصل تشكل الأرض عن ظهور أول أشكال الحياة عليها، فقد اقترح بعض العلماء أن المتعضيات الأولى على سطح الأرض قد كانت زائرة أتت من عوالم أخرى.

سكر الريبوز. لقد تخلى هؤلاء الكيميائيون المبدعون عن التقليد المتبع في محاولة تصنيع النيوكليوتيدات بربط أساس نووي وسكر وفوسفات بعضها ببعض. تعتمد مقاربتهم على المواد الابتدائية البسيطة نفسها التي وُظّفت سابقا، مثل مشتقات السيانيد والأسيتيلين والفورمالدهايد. ولكن بدلا من تشكيل الأسس النووية وسكر الريبوز بشكل منفصل ومن ثم محاولة ربطهما معا، مزج فريق البحث المكونات الابتدائية مع بعضها بعضا، بوجود الفوسفات. أنتجت سلسلة معقدة من التفاعلات - أدى فيها الفوسفات دور حفّاز أساسيا في العديد من خطواتها - جزيئا صغيرا يدعى «2- أمينو أوكزازول» 2- aminooxazole، والذي يمكن اعتباره جزءا من سكر مرتبط بقطعة من أساس نووي [انظر المؤطر السابق].

إن سمة حاسمة من صفات هذا الجزيء الصغير والمستقر هي أنه شديد التطاير volatile. ومن المحتمل أن كميات صغيرة من «2- أمينو أوكزازول» تشكلت مع مزيج من كيماويات أخرى في بركة صغيرة على سطح الأرض الحديثة التشكل؛ وعندما تبخر الماء، تطايرت جزيئات «2- أمينو أوكزازول» لتتكثف في مكان آخر بشكل منقّى. وهناك في ذلك المكان ستتجمع لتشكل خزانا من هذه المادة، جاهزة للدخول في تفاعلات كيميائية إضافية تؤدي إلى تشكل سكر مكتمل وأساس نووي مرتبطين معا.

هناك وجه آخر مهم ومرضٍ لهذه السلسلة من التفاعلات، وهو أنّ بعضا من النواتج الثانوية التي تنشأ في مرحلة مبكرة تسهل التحولات التي تطرأ على العملية في المراحل المتأخرة منها. ومع أن المسار أنيق، إلا أنه في بعض الحالات لا يولد حصريا الشكل «الصحيح» من النيوكليوتيدات: ففي بعض الحالات لا يعطي ارتباط السكر بالأساس النووي التركيب الحيّزي spatial المناسب. ولكن من المدهش، أن التعرض للأشعة فوق البنفسجية - وقد كانت إشعاعات فوق بنفسجية شديدة تسقط من الشمس على المياه الضحلة المتشكلة على سطح الأرض الحديثة التشكل - يخرب الأشكال «غير الصحيحة» من النيوكليوتيدات ويبقي على الأشكال «الصحيحة». والنتيجة النهائية هي طريق نظيف بصورة فائقة لتشكيل نيوكليوتيدات السيتوزين C واليوراسيل U. وبالطبع، نحن ما زلنا بحاجة إلى طريق من أجل تشكيل الگوانين G والأدينين A، وهكذا تبقى أمامنا بعض التحديات. ولكن، ما يقوم به فريق <سذرلاند> البحثي هو خطوة أساسية باتجاه توضيح الكيفية التي أمكن من خلالها لجزيء بتعقيد الرنا أن يتكون على الكرة الأرضية الحديثة التشكل.


[من الجزيئات إلى المتعضيات]
على الطريق إلى الحياة(*******)
   بعد أن خلقت التفاعلات الكيميائية أولى وحدات البناء الجينية والجزيئات العضوية الأخرى، قامت عمليات جيوفيزيائية بجلبها إلى بيئات جديدة وقامت بتكثيفها (بتركيزها). وتجمعت هذه الكيماويات معطية جزيئات معقدة تلاها تشكيل خلايا بدائية. ومنذ نحو 3.7 بليون سنة قد تكون الجيوفيزياء هي أيضا التي دفعت هذه الخلايا الأولية إلى التكاثر.
مناطق تكاثر الرنا
   في المحاليل المائية، كانت لدى النيوكليوتيدات، التي تشكلت ضمنها، فرصة قليلة لتنضم مُشكِلةً جدائل طويلة قادرة على تخزين المعلومات الجينية. ولكن تحت الشروط الصحيحة - فمثلا، إذا جلبتها قوى الالتصاق الجزيئية بالقرب من بعضها بين طبقتين ميكرويتين من الغضار (الصورة أعلاه) - فإنه يمكن للنيوكليوتيدات أن تنضم إلى بعضها مشكلة جدائل منفردة شبيهة بالرنا الذي نعرفه اليوم.
التكاثر بالمساعدة
   بمجرد تحررها من الغضار، قد تغدو الپوليميرات الحديثة التشكل محاطة بأكياس مملوءة بالماء حيث تصطف الأحماض الدهنية تلقائيا لتشكل أغشيةً. وفي الغالب، احتاجت الخلايا الأولية تلك إلى بعض التحفيز الخارجي لكي تبدأ بمضاعفة مادتها الجينية، ومن ثَمّ البدء بالتكاثر. وفي واحدٍ من السيناريوهات المحتملة (في اليسار) دارت هذه الخلايا الأولية بين الأنحاء الباردة والساخنة لبركة ما، والتي قد تكون متجمدة جزئيا على أحد جوانبها (كانت الأرض الحديثة التشكل في غالبها باردة) وذائبة على جانبها الآخر بفعل حرارة بركان.
   وعلى الجهة الباردة من البركة، أدت جدائل منفردة من الرنا (1) دور مرصافات شكلت عليها النيوكليوتيدات الجديدة أزواجا قاعديةً (حيث شكلت الأسس As أزواجا مع الأسس Us، وكذلك Cs مع Gs) مما نتج منه جدائل مزدوجة (2). والحرارة، على الجهة الحارة من برْكة الماء، ستؤدي إلى فصل الجدائل المزدوجة عن بعضها بعضا (3). ويمكن للأغشية أيضا أن تنمو ببطء (4) إلى أن تنقسم الخلايا الأولية إلى خلايا أولية «بنات» للخلايا الأصلية (5)، والتي سيكون بإمكانها بدء هذه الدورة من جديد.
   بمجرد انطلاق دورات التكاثر، أقلعت آلة التطور - تقودها طفرات عشوائية - وفي نقطة ما من العملية حصلت الخلايا الأولية على القدرة الذاتية على التكاثر. وولدت الحياة.

قارورة صغيرة دافئة(********)

وبمجرد أن تتشكل لدينا النيوكليوتيدات، فإن الخطوة الأخيرة في عملية تشكل الرنا هي البلمرة polymerization: حيث يشكل السكر في أحد النيوكليوتيدات رابطة مع مجموعة الفوسفات في النيوكليوتيد الذي يليه بحيث تشكل النيوكليوتيدات سلسلة متصلة. مرة ثانية، لا يمكن تشكل مثل هذه الروابط تلقائيا في الماء، وهي، بدلا من ذلك، تحتاج إلى بعض الطاقة الخارجية. ومن خلال إضافة كيماويات متنوعة إلى محلول يضم أشكالا فعالة كيميائيا من النيوكليوتيدات، تمكن الباحثون من إنتاج سلاسل قصيرة من الرنا، يتراوح طولها بين 2 و 40 نيوكليوتيد. وفي أواخر تسعينات القرن العشرين بَيَّنَ <J.فيريس> ومساعدوه [من معهد رينسلير للتقانات المتعددة] أن المعادن الغضارية(11) تعزز من هذه العملية، مؤدية إلى إنتاج سلاسل من الرنا تصل حتى 50 من النيوكليوتيدات أو ما يقاربها (علما بأن جينا نموذجيا في عصرنا الحالي يبلغ طوله ما بين آلاف وملايين النيوكليوتيدات). إن المقدرة المتأصلة في المعادن الغضارية على الارتباط بالنيوكليوتيدات تمكّنها من وضع جزيئات نشطة كيميائيا قرابة بعضها بعضا، مما يمكّن بالتالي من تشكيل الروابط الكيميائية فيما بينها [انظر المؤطر السابق].

لقد عزز هذا الاكتشاف الاقتراح الذي تقدم به بعض الباحثين بأن الحياة يمكن أن تكون قد بدأت على سطوح معدنية، وغالبا في الطين الغني بالغضار في أسفل أحواض الماء التي شكلتها الينابيع الحارة(12).


تصميم دعامة على شكل قرص العسل (الأزرق) توجه انتظام خلايا قلب جرذ، حيث لونت أليافها القابضة بالأخضر. تقوم عضلة القلب البشري بالانقباض والانبساط 300 مليون مرة خلال متوسط عمر الإنسان دون كلل أو تعب. وقد صمم كل من <L.فريد> و<G.أنغلماير> [وكلاهما من مؤسسة ماساشوسيتس للتقانة] دعامة خاصة تمكن من الحصول على المرونة الشبيهة بالمرونة الطبيعية في سعيهما لنسخ التلقين الميكانيكي المعزز للقدرة على الانقباض. وقد استعملا أشعة الليزر لإحداث ثقوب قرص العسل في مادة من المطاط البيولوجي، وهو مادة مرنة طورها <Y.وانغ> و <R.لانكر>.


[من عالم الرنا إلى البكتيريا]
رحلة إلى الخلية الحديثة(*********)
   بعد بدء الحياة، دفع التنافس بين أشكال الحياة باتجاه استمرار ظهور متعضيات أكثر تعقيدا. وقد لا نعرف أبدا التفاصيل الدقيقة لعملية التطور التي حدثت بعد بداية الحياة، ولكن إليكم تسلسلا معقولا لبعض الأحداث الأساسية التي قادت من الخلايا الأولية(13) protocells الأولى إلى الخلايا التي تعتمد الدنا كالبكتيريا. 
(1) التطور يبدأ:
   الخلية الأولية الأولى هي عبارة عن كيس من الماء ورنا ويحتاج إلى محفز خارجي (كأن تكون هناك دورات من الدفء والبرودة) من أجل التكاثر. ولكنها بعد فترة قصيرة ستكتسب صفات جديدة.
(2) تحفيز رنوي:
   ظهور الإنزيمات الريبية (ريبوزيمات) ribozymes - وهي جزيئات رنا مثنيّة مشابهة للإنزيمات ذات الأساس الپروتيني - وتَوَليها مهام مثل تسريع التكاثر وتقوية الغشاء الخلوي. ونتيجة لذلك، تبدأ الخلايا بالتكاثر اعتمادا على ذاتها.
(3) الأيض يبدأ:
   تحفز إنزيمات ريبية أخرى عملية الأيض - وهي سلسلة من التفاعلات الكيميائية تمَكِّن الخلايا الأولية من التزود بالمغذيات من البيئة.
(4) ظهور الپروتينات:
   تبدأ أنظمة معقدة من محفزات الرنا بترجمة خيوط من أحرف الرنا RNA (جينات) إلى سلاسل من الأحماض الأمينية (پروتينات). وتثبت الپروتينات لاحقا أنها محفزات أكثر فاعلية وقادرة على تنفيذ مهام متنوعة.
(5) استيلاء الپروتينات:
   تتولى الپروتينات مهام واسعة داخل الخلية. وتدريجيا تحل محفزات ذات أساس پروتيني، أو الإنزيمات، محل معظم الإنزيمات الريبية.
(6) ولادة الدنا:
   تبدأ إنزيمات أخرى بصناعة الدنا. وبفضل ثباتيته المتفوقة، يتولى الدنا دور الجزيء الجيني الأساسي. وتصبح الآن المهمة الرئيسية للرنا هي أن يقوم الرنا بدور جسر بين الدنا والپروتينات.
(7) عالم البكتيريا:
   متعضيات شبيهة بالبكتيريا الحديثة، تتكيف للعيش عمليا في أي مكان على الأرض، وتسيطر من دون أي منازع لبلايين السنين، إلى أن يبدأ بعضها بالتطور إلى متعضيات أكثر تعقيدا.

ومن المؤكد أن اكتشاف الطريقة التي نشأت فيها الپوليميرات الجينية لأول مرة لن يحلّ مشكلة أصل الحياة. ولكي تكون المتعضيات حية يجب أن تكون قادرة على المضي في التكاثر، وهي عملية تتضمن نسخ المعلومات الجينية. ففي الخلية المعاصرة تقوم الإنزيمات، وهي جزيئات ذات طبيعة پروتينية، بوظيفة النسخ هذه.

ولكن يمكن للپوليميرات الجينية إذا قُدّر لها أن تُصْنع من التسلسلات النيوكليوتيدية الصحيحة، أن تنثني على بعضها لتأخذ أشكالا معقدة ويمكن لها أن تحفز تفاعلات كيميائية، تماما كما تفعل الإنزيمات المعروفة في عصرنا الحالي. لذلك، يبدو معقولا أنه كان بإمكان الرنا الذي وجد في أولى المتعضيات التحكم في تضاعفه الذاتي. وقد ألهمت هذه الفكرة تجارب عدة في كل من مختبرنا ومختبر <D.بارتيل> في المعهد MIT، حيث «طورنا» في هذه التجارب إنزيمات ريبية جديدة.

لقد بدأنا بتريليونات من تسلسلات رنوية عشوائية. ومن ثم، اخترنا منها التسلسلات التي امتلكت خصائص تحفيزية، وصنعنا نسخا منها. وفي كل جولة نسْخ رنا أُخْضِعت بعض جدائل الرنا الجديدة إلى طفرات حولتها إلى محفزات أكثر فاعلية، ومرة أخرى اخترنا تلك التي امتلكت الفعالية التحفيزية الأعلى من أجل إخضاعها للجولة الثانية من النسخ. وقد تمكنا عن طريق هذا التطور الموَجَّه من إنتاج إنزيمات ريبية يمكنها تحفيز نسخ جدائل قصيرة نسبيا من جزيئات رنا أخرى، مع أن هذه الإنزيمات الريبية لم تكن قادرة على نسخ پوليميرات بالاعتماد على تسلسلاتها النيوكليوتيدية بحيث تعطي تسلسلات رنا وليدة.

مؤخرا، حصل مبدأ التضاعف الذاتي للرنا على دعم من <T.لينكولن> و <G.جويس> [من معهد سكريپس للأبحاث] حيث قاما بتطوير اثنين من إنزيمات الرنا الريبية، يمكن لكل منهما أن يصنع نسخا من الآخر وذلك عن طريق وصل جديلتي رنا أقصر إحداهما مع الأخرى. ولسوء الحظ، تطلب نجاح هذه التجارب توفر قطع رنا كانت موجودة أساسا، وهي أطول وأكثر تعقيدا من أن تكون قد تشكلت تلقائيا. ومع ذلك، فإن النتائج توحي أن الرنا يمتلك القدرة التحفيزية الصرْفة التي تمكنه من تحفيز تضاعفه الذاتي.

 
معضلة بناء متعضية من مواد غير حية(**********)
   يتطلع العلماء الذين يدرسون نشوء الحياة إلى بناء متعضية ذاتية التضاعف وذلك انطلاقا من مواد غير حية تماما. والتحدي الأكبر في هذا المضمار هو إيجاد جزيء جيني genetic molecule قادر على التضاعف الذاتي تلقائيا. ويقوم المؤلفان والمتعاونون معهما بتصميم وتركيب صيغ معدلة من الرنا والدنا بحثا عن هذه الخاصية المحيرة. وربما لا يكون الرنا بذاته هو الحل: فضفائره المضاعفة لا تنفصل بسهولة لتصير جاهزة للتنسخ (للتضاعف)، إلا إذا كانت قصيرة جدا.

هل هناك بديل أبسط؟ نستكشف الآن مع آخرين طرقا كيميائية لنسخ جزيئات جينية من دون مساعدة المحفزات. ففي تجارب حديثة، بدأنا باستخدام «مرصاف» template من جدائل مفردة من الدنا؛ (استخدمنا الدنا لأنه أقل تكلفة وأسهل في العمل، ولكن كان بإمكاننا استخدام الرنا بالفاعلية نفسها أيضا). لقد مزجنا المرصافات بمحلول يحوي نيوكليوتيدات معزولة، وذلك لنرى إن كانت النيوكليوتيدات سترتبط بالمرصاف وذلك من خلال مزاوجة أسس متممة(14) بعضها ببعض (A ترتبط بـ T و C ترتبط بـ G)، وبعد ذلك تتبلمر معطية بذلك جديلة مضاعفة كاملة. وسيكون ذلك الخطوة الأولى باتجاه التضاعف الكامل: بمجرد تشكل جديلة مضاعفة، فإن انفصال هذه الجدائل عن بعضها سيسمح لكل جديلة متممة أن تقوم بدور المرصاف من أجل نسخ الجديلة الأصلية. وهذه العملية هي بطيئة جدا في حالة الدنا والرنا النموذجيين. ولكن إجراء تغييرات طفيفة على البنية الكيميائية لمكون السكر في النيوكليوتيد - استبدال زوج واحد من الأكسجين/ هيدروجين بمجموعة أمينو (مكونة من نتروجين وهدروجين) - جعل عملية الپلمرة أسرع بمئات المرات، بحيث تشكلت الجدائل المتممة خلال ساعاتٍ بدلا من أسابيع. وسلك الپوليمير الجديد مسلكا شبيها بالرنا النموذجي وذلك على الرغم من احتوائه على روابط بين النتروجين والفوسفور بدلا من روابط الأكسجين والفوسفور العادية.

قضايا حدودية(***********)

إذا افترضنا للحظة بأنه سيجري في يوم ما ملء الثغرات الموجودة في فهمنا لكيمياء أصل الحياة، فإنه يمكن لنا البدء بالتفكير في الكيفية التي أمكن فيها للجزيئات أن تتفاعل فيما بينها بحيث تجمعت لتأخذ بنىً شبيهة بالخلايا أو ما يعرف بـ «الخلايا الأولية».

إن الأغشية التي تحيط بجميع الخلايا الحديثة تتكون أساسا من طبقة مزدوجة من الليپيدات: غطاء مضاعف من جزيئات زيتية كالفوسفوليپيدات والكوليستيرول. وتحافظ الأغشية على مكونات الخلايا مجتمعة مع بعضها في حيز فراغي واحد، كما أنها تشكل حاجزا أمام المرور غير المنضبط للجزيئات الضخمة. وتتصرف پروتينات معقدة التركيب منغرسة في هذه الأغشية كحراس بوابات، كما تقوم بضخ الجزيئات من وإلى الخلية، في حين تساعد پروتينات أخرى على بناء وإصلاح الغشاء الخلوي. ولكن، كيف يمكن لخلية أولية غير متطورة، تفتقر إلى الآليات الپروتينية، أن تقوم بهذه المهام؟

وعلى الأغلب، فإن الأغشية المخاطية كانت قد صنعت من جزيئات أبسط، كالأحماض الدسمة (وهي أحد مكونات الفوسفوليپيدات الأكثر تعقيدا). وقد بينت دراسات أجريت في أواخر السبعينات أنه بإمكان الأغشية الخلوية بالفعل أن تتجمع تلقائيا ابتداءً من أحماض دسمة صرْفة، ولكن الشعور العام كان أن هذه الأغشية قد تشكل حاجزا صعبا أمام عبور النيوكليوتيدات والمغذيات الأخرى المعقدة التركيب إلى داخل الخلية. وقد أوحت هذه الفكرة أنه من أجل أن تتمكن الخلايا من تصنيع النيوكليوتيدات الخاصة بها كان لا بد من تطور الأيض (الاستقلاب) الخلوي أولا. ولكن، أظهر عمل نُفِّذ في مختبرنا أنه في الحقيقة يمكن لجزيئات بضخامة النيوكليوتيدات أن تنسل عبر الغشاء الخلوي شريطة أن يكون كل من الأغشية والنيوكليوتيدات ذات أشكال أبسط وأكثر بدائية من نظائرها الموجودة حاليا.

لقد أتاح لنا هذا الاكتشاف إجراء تجربة بسيطة تنمذج مقدرة الخلايا البدائية على نسخ المعلومات الجينية باستخدام مكونات غذائية ذات مصدر بيئي. وقمنا بتحضير حـويصلات غشائيـة membrane vesicles أساسها الأحماض الدسمة وتحتوي بداخلها على قطعة قصيرة من الدنا الوحيد الجديلة. وكما في السابق، يقوم الدنا هنا بدور مرصاف من أجل إنشاء جديلة جديدة متممة. وبعد ذلك، قمنا بتعريض هذه الحويصلات لأشكال فعالة كيميائيا من النيوكليوتيدات. وقد عبرت النيوكليوتيدات الغشاء تلقائيا، وما أن أصبحت داخل ما يمثل الخلية الأولية (الحويصلة) حتى انتظمت على جديلة الدنا الموجودة داخل الخلية وتفاعلت كل واحدة منها مع الأخرى مشكِّلة جديلة جديدة متممة. وتدعم هذه التجربة فكرة أن الخلايا الأولية الأولى احتوت الرنا (أو على شبيه له) ولا شيء آخر غيره، وأنها كانت تضاعف (تنسخ) مادتها الجينية من دون وجود لأية إنزيمات.

ليكن هناك انقسام(************)

حتى تتمكن الخلايا الأولية من التكاثر، عليها أن تكون قادرة على النمو وأن تضاعف محتواها الجيني، ومن ثم تنقسم إلى خلايا بناتٍ للخلية الأم المتساوية في الحجم. وقد أظهرت التجارب أن الحويصلات البدائية يمكنها النمو على الأقل بطريقتين مميزتين. وفي إطار عمل رائد أجري في التسعينات، قام <L.P.لويزي> وزملاؤه [من المعهد الفيدرالي السويسري للتقانة في زيورخ] بإضافة أحماض دهنية جديدة إلى الماء المحيط بهذه الحويصلات. وقد استجابت أغشية الحويصلات بالسماح بدخول هذه الأحماض الدهنية عبر أغشيتها، ونمت مساحتها السطحية نتيجة لذلك. ومع استمرار الدخول البطيء للماء والمواد المنحلة فيه إلى داخل الخلايا ازداد أيضا حجمها.

وفي مقاربة ثانية، جرى استكشافها في مختبرنا من قبل طالبة الدراسات العليا حينذاك <I.تشين>، تضمنت التنافس بين خلايا أولية؛ حيث أصبحت خلايا أولية نموذجية منتفخة نتيجة ملئها بالرنا أو بمادة شبيهة، وهو تأثير حلولي osmotic ناتج من محاولة جزيئات الماء دخول الخلايا ومعادلة تركيزها داخل وخارج هذه الخلايا. وبذلك, فإن غشاء مثل هذه الحويصلات المنتفخة تعرّض لتوتر، وهذا التوتر أدى إلى النمو، وذلك لأن إضافة جزيئات جديدة تُهدئ من التوتر الحاصل على الأغشية، مخفضة بذلك طاقة المنظومة. في الحقيقة، إن الحويصلات المنتفخة نمت عن طريق سرقة الأحماض الدهنية من الحويصلات المسترخية المجاورة، والتي انكمشت نتيجة لذلك.

في عام 2008، لاحظ <T.زهو> [وهو طالب دراسات عليا في مختبرنا] نمو خلايا أولية نموذجية إثر تغذيتها بأحماض دهنية أضيفت حديثا. ولدهشتنا، فإن الحويصلات التي كانت أساسا كروية الشكل لم تنمُ بحيث صارت أكبر حجما؛ وإنما قامت، بدلا من ذلك، بمد استطالات رفيعة استمرت بالنمو طولا وازدادت ثخانتها، محولة الحويصلة برمتها تدريجيا إلى أنبوب طويل ورفيع. وقد كانت هذه البنية حساسة، بحيث إن اهتزازا خفيفا (كذلك الذي يمكن أن يحدث عندما تولّد ريح خفيفة موجات على سطح بركة ماء) تسبب في تفتت الحويصلة إلى عدد من الخلايا البنات البدائية الصغيرة الحجم والكروية الشكل، والتي نمت بدورها لتصبح أضخم وتعيد تكرار الدورة السابقة نفسها [انظر الصورة الميكروية سابقا].

إذن، عند توفر قوالب البناء المناسبة، فإن تشكل الخلايا الأولية لا يبدو أمرا صعبا: فالأغشية تتشكل ذاتيا والپوليميرات الجينية تتشكل ذاتيا أيضا، ويمكن جمع هذين المكونين معا بطرائق متنوعة، مثلا، كأن تتشكل الأغشية حول پوليميرات موجودة أصلا. كذلك، فإن هذه الأكياس من الماء والرنا ستنمو أيضا، وتمتص جزيئات جديدة، وتتنافس على الغذاء، وتنقسم. ولكنها، من أجل أن تغدو حيةً فإنها ستحتاج أيضا إلى أن تتكاثر وتتطور. وعلى الأخص، فإنها تحتاج إلى فصل جديلتي الرنا الموجودتين في داخلها إحداهما عن الأخرى بحيث تتمكن كل جديلة منفردةً من أداء دور مرصاف لتشكيل جديلة جديدة يمكن توريثها إلى خلية ابنة للخلية الأم.

لا يمكن أن تكون هذه العملية قد بدأت من تلقائها، ولكن يمكن أن تكون قد جرت بقليل من المساعدة. تخيل، مثلا، منطقة بركانية على سطح الأرض الحديثة التشكل الذي تعُمُّه البرودة (في ذلك الوقت، كانت قوة الشمس الإشعاعية على سطح الأرض تعادل 70% من قوتها الإشعاعية الحالية). لقد كان من الممكن حينذاك وجود برك صغيرة من الماء البارد، وربما المغطى جزئيا بالجليد وبقي معظمه في شكله السائل بتأثير تماسه مع الصخور الساخنة. والفروقات الحرارية ستتسبب في تشكيل تيارات حمل حراري، بحيث إنه بين الحين والآخر ستتعرض الخلايا الأولية الموجودة في الماء إلى دفقة من الحرارة أثناء مرورها بالقرب من الصخور الحارة، ولكنها ستعود وتبرد لحظيا مرة أخرى نتيجة لاختلاط الماء الساخن بالكتلة الأكبر من الماء البارد. كما أن التسخين المفاجئ سيتسبب في انفصال الحلزون المزدوج إلى جديلتين منفردتين. ولدى عودتها إلى المنطقة الباردة، ونتيجة لقيام الجدائل المنفردة بدور مرصافات يمكن أن تتشكل جدائل مزدوجة جديدة - هي نسخ من الجدائل الأصلية [انظر المؤطر في الأعلي].

وما أن دفعت البيئة الخلايا الأولية نحو التكاثر، انطلق التطور. وعلى الأخص، حدثت في لحظة ما طفرات على بعض تسلسلات الرنا، محولة إياها إلى إنزيمات ريبية سرّعت عملية نسخ الرنا مضيفة بذلك ميزة تنافسية. مما أدى في النهاية إلى بدء الإنزيمات الريبية بنسخ الرنا من دون الحاجة إلى أي مساعدة خارجية.

ومن السهل نسبيا تخيل الكيفية التي تطورت من خلالها خلايا أولية أساسها الرنا [انظر المؤطر في الأعلي]. يمكن أن يكون الأيض قد نشأ تدريجيا، مع تمكين الإنزيمات الريبية للخلايا من تصنيع المواد المغذية داخليا ابتداءً من مواد أولية أبسط وأكثر وفرةً. وبعد ذلك، يمكن أن تكون المتعضيات قد أضافت صناعة الپروتين إلى جعبة الخدع الكيميائية التي تمتلكها.

ونتيجة لمقدراتها المدهشة؛ فلابد أن الپروتينات كانت قد استولت على دور الرنا في المساعدة على النسخ الجيني والأيض. وفيما بعد، «تعلمت» المتعضيات كيفية صناعة الدنا مكتسبة بذلك ميزة امتلاك حامل للمعلومات الجينية أكثر صلابة وقوة. في تلك اللحظة، أصبح عالمُ الرنا عالما للدنا، وبدأت معه الحياة كما نعرفها الآن.

المؤلفان
 
     Jack W. Szostak    -   Alonso Ricardo
<ريكاردو> ولد في كولومبيا، وهو باحث زميل في معهد هاوارد هيوز الطبي بجامعة هارڤرد. لديه اهتمام كبير بأصل الحياة وهو يدرس الآن الأنظمة الكيميائية الذاتية التضاعف.

<زوستاك> هو أستاذ علم الوراثة في جامعة هارڤرد. واهتمامه بالإنشاء المختبري للبنى البيولوجية كوسيلة لاختبار فهمنا حول كيف تعمل عمل البيولوجيا، يعود إلى إنشاء الكروموسومات الصنعية، التي كان قد وصفها في العدد 11/1987 من مجلة ساينتفيك أمريكان.


  مراجع للاستزادة

Synthesizing Life. Jack Szostak , David P. Bartel and P. Luigi Luisi in Nature, Vol. 409. pages 387-390;January 2001.

Genesis: The Scientific Quest for Life's Origins. Robert M. Hazen. Joseph Henry. 2005.

The RNA World. Edited by Raymond F. Gesteland, Thomas R. Cech and John F. Atkins. Third edition. Cold Spring Harbor Laboratory Press. 2006.

A Simpler Origin for Life. Robert shapiro in Scientific  American , Vol.296, No.6, pages 24-31 ; June 2007.

Peter Nielsen in scientific American, Vol 299, No 6. Pages 36- 43. December 2008.

Exploring life's Origins. Multime­dia project at the Museum of Science. http://exploringarigins.org

(*)ORIGIN OF Life on Earth
(**)Got to start Somewhere
(***)First Genetic Molecules
(****)What is Life?
(*****)Some Assembly Required
(******)Alternatives To «RNA FIRST»
(*******)On The Way To Life
(********)Some Warm, Little Vial
(*********)Journey to the Modern Cell
(**********)Life, Redux
(***********)Boundary Issues
(************)Let There Be Division

(1) organisms
(2) the genetic molecule RNA
(3) self-replicating artificial organisms
(4) the amino acids
(5) ج: ريبوزيم ribozyme: شدفة رنا لها القدرة الذاتية على الانكسار من الجزيء الكبير وتكوين روابط مشتركة عند نهايتيها لتكوين حلقة.
(6) catalytic work
(7) a primordial RNA world
(8)لدائن؛ أي صفوف من جزيئات أصغر. (التحرير)
(9) هي مادة معدنية منشؤها الرئيسي نيزكي ومكونة من فوسفيد الحديد والنيكل [Fe,Ni)3P)]. (التحرير)
(10) Peptide nucleic acid
(11) clay minerals
(12) انظر: «Life’s Rocky Start,» by Robert M. Hazen;Scientific American, April 2001
(13) أو بادئات الخلايا، أو الخلايا البدائية. (التحرير)
(14) complementary base pairing

صورة فنية لثقب أسود


صورة فنية لثقب أسود(*)
من خلال استخدامهم شبكة عالمية من المِقْرابات telescopes، سوف يتمكن علماء الفلك قريبا من الحصول على أولى مشاهدتهم للصورة الظلّيّة المعتمة لثقب أسود.
< E.A.بروديريك> ــ <A.لويب>

مفاهيم مفتاحية
   تُعتبَر الثقوبُ السوداء من بين أكثر الأجرام الكونيّة غموضا وإبهاما. وحتى الآن، لم يتمكَّن علماءُ الفلك من ملاحظتها إلاّ بشكل غير مباشر، وذلك من خلال آثارها التثاقلية gravitational في النجوم المحيطة بها ومن خلال الإشعاع الصادر عن جزيئات الغاز الحارّ الساقط نحوها بشكل حلزوني.
   يعمل الفلكيّون على إنشاء شبكة من المقرابات (التلسكوبات) الراديوية بهدف التقاط صور للثقبَين الأسودَين الفائقَي الكتلة والواقعَين في مركزَي مجرّتَي درب التبّانة والمجرات M87.
   إنّ تحسّن الدراسات المتعلّقة بالثقوب السوداء لن يساعد على تفسير الظواهر غير الاعتيادية التي تنجم عن تلك الثقوب فحسب، بل يمكن أيضا أن يقدِّم لنا طريقة لاختبار نظرية آينشتاين في النسبية العامة، كما يمكن أن يزوّدنا بتبصرات خلاّقة حول طبيعة الثقالة gravity في الظروف الاستثنائية المتطرّفة.
محرِّرو ساينتفيك أمريكان

إن القرص المعتم الممثِّل لمنطقة الخطر الموافقة للثقب الأسود الموجود في مركز مجرّة درب التبّانة ــ مع كميّات الغاز الحار العالقة في ثقالته ــ يمكن أن يبدو بشكل مشابه لما تقدّمه رسوماتُ المحاكاة الحاسوبية هذه (الصور: 1، 2، 3)، عندما تبدأ في السنة القادمة شبكةُ المقرابات الراديوية بعملها جامعةً الأرصاد الفلكيّة. ولكنّ الغاز بين النجوم سوف يشوِّش رؤية التفاصيل الدقيقة، ويجعلها غيرَ واضحة (الصورتان: 4 ، 5).

من المرجَّح أن تكونَ قد شاهدتَ ذلك الإعلانَ التلفازي، حين يبتعد تقنيّ الهواتف النقالة (المحمولة) إلى مسافات بعيدة، ويسأل بواسطة الهاتف: «هل تسمعني؟» تخيّل أنّ هذا التقني قد سافر إلى مركز مجرّة درب التبّانة، حيث يكمن ثقب أسود فائق الكتلة يُدعى ساگيتاريوس-إي (Sgr A*)(1)، كتلته تساوي نحو أربعة ملايين ونصف كتلة الشمس. عندما يقترب التقنيّ إلى مسافة 10 ملايين كيلومتر من الثقب الأسود، ستلاحظ أنّ إيقاع كلامه يتباطأ، وأنّ صوته يغلظ لحنا ويضمحل شدة، ليصير في نهاية الأمر همسات رتيبة تتناقص قدرتك على سماعها شيئا فشيئا. ولو قُدِّر لنا أن نرى هذا التقني، للاحظنا أنّ صورتَه تغدو باهتة ويزداد لونُها احمرارا بشكل متزايد، وقد صار متجمدا في الزمن بالقرب من حدود الثقب الأسود المعروفة باسم أفق الحدث event horizon.

ومع ذلك، لن يشعر التقنيّ نفسه بأيّ تباطؤ في مرور الزمن بالنسبة إليه، ولن يرى أيَّ شيء غريب يحدث عند أفق الحدث. وهكذا, لن يعلم بأنه اجتاز هذا الأفق إلاّ عندما يسمعنا قائلين: «لا نستطيع سماعَك بشكل جيّد»، ولن تتوفّر أيُّ طريقة يمكن له بها أن يشاركنا انطباعاتِه وأحاسيسَه الأخيرة، إذ لا شيء البتّة ــ حتى الضوء نفسه ــ يستطيع أن يفلت من الجرّ الهائل لقوة الثقالة داخل أفق الحدث. وقبل أن تمرّ دقيقة على اجتيازه للأفق، سوف تكون قوى التثاقل في أعماق الثقب قد مزّقته إربا إربا.

لا يمكننا في الحياة الفعلية أن نرسلَ تقنيا في مثل هذه الرحلة، ولكنّ علماءَ الفلك طوّروا بعض التقنيات التي ستسمح لهم في القريب العاجل ــ ولأول مرّة ــ بالتقاط صور للظلال المعتمة لثقب أسود ضمن خلفية مليئة بغاز متوهّج ساخن.

ستقولُ لنا: «انتظروا قليلا، ألم يُبلغْنا علماءُ الفلك مرارا بملاحظتهم لثقوب سوداء، بما في ذلك شتى أنواع الصور؟» هذا صحيح، ولكنّ هذه الصور كانت لغازات أو لمواد أخرى موجودة قرب ثقب أسود بحيث تَمثَّل الثقبُ نفسُه فيها كبقعة غير مرئية، أو كانت لتدفق هائل من الطاقة افتُرِض أنه ناجمٌ عن ثقب أسود. وفي الحقيقة، فنحن لا نزال غـير متيقّنـين بعـدُ من وجود الثقوب السوداء فعلا أو عدم وجودها(2).

لقد اكتشف علماءُ الفلك أجراما كونية تبلغ من الثقل والتراصّ مقدارا يكفي ــ في حالة صحّة نظرية آينشتاين في النسبية العامة ــ لأن تكون بالضرورة ثقوبا سوداء، ومن المتعارف عليه أن نتكلّم عنها كما لو أنها فعلا كذلك (كما نفعل في هذا المقال). ولكننا، حتى الآن لم نستطع تأكيدَ أنّ هذه الأجرام تمتلك السمة المميّزة التعريفية للثقب الأسود، أي وجود أفق لا يمكن للمادة اجتيازُه إلاّ في اتجاه واحد فقط. وهذا السؤالُ لا يُعَدّ مجرَّد فضول مقصور على فئة قليلة، إذ إنّ وجودَ مثل هذه الآفاق أو عدمَه يمثّل إحدى أهمّ الأحجيات العميقة في الفيزياء النظرية وأعقدها. وسوف تساعدنا الصورُ التي تعرض الصور الظلية المعتمة لآفاق أحداث الثقوب السوداء على فهم السيرورات الفيزيائية الفلكية الاستثنائية التي تحدث في المناطق المتاخمة لها.

أسئلة موجِّهة(**)

تُعتبَر آفاقُ الحدث منبعا مثيرا للخيال ذا سحر خاصّ، إذ إنها تمثّل وجود عدم الانسجام على المستوى القاعدي بين انتصارَين عظيمَين حقَّقتهما الفيزياء في القرن العشرين، وهما: الميكانيك الكمومي والنسبية العامة. والعكوسية الزمنية(3) سمة أساسية للكيفية التي يصف بها الميكانيك الكمومي المنظومات الفيزيائية؛ فكل سيرورة كمومية لها سيرورة عكسية نستطيع من حيث المبدأ أن نستخدمها لاستعادة أيّ معلومات يمكن أن تكون السيرورة الأصلية قد أدَّت إلى تشويشها. وفي المقابل، لا تسمح النسبيةُ العامة ــ التي تفسّر الثقالة على أنها ناجمة عن تقوس(4) الفضاء وتتنبّأ بوجود الثقوب السوداء ــ بأيّ سيرورة عكسية لاسترجاع الشيء الذي سقط داخل ثقب أسود. والحاجةُ إلى حلّ عدم الاتّساق هذا بين الميكانيك الكمومي والتثاقل gravitation، يُمثل أحد أهمّ دوافع فيزيائيّي الأوتار في بحثهم عن نظرية كمومية للثقالة، أي نظرية تتنبّأ بخصائص التثاقل انطلاقا من التآثرات الخاضعة لقوانين الميكانيك الكمومي.

وعلى مستوى أعمق في هذا الموضوع، يودُّ الفيزيائيون معرفةَ ما إذا كانت نسبية آينشتاين العامة هي فعلا النظرية الصحيحة للثقالة، حتى حيثما تكون تنبؤاتها مختلفة بشكل صارخ عن النظرية التقليدية النيوتونية newtonian theory؛ كالتنبّؤ بوجود آفاق الأحداث للثقوب السوداء. وتمتلك الثقوب السوداء سمتَين توأمَين رائعتَين، الأولى هي أنها توافق حلولا بالغة البساطة لمعادلات الثقالة حسب نظرية آينشتاين (فالثقب الأسود يتحدّد تماما بثلاثة أعداد لا غير: كتلة الثقب وشحنته وسپينه(5))، أمّا الثانية فهي أنّ هذه الثقوب تمثِّل أماكن تسلك فيها الثقالة سلوكا أبعد ما يكون عن النظرية النيوتونية. ومن هنا، تُعتَبر الثقوب السوداء مواضعَ مثالية للبحث عن دلائل على أية اختلافات في الظروف البالغة التطرّف عمّا تتنبأ به معادلات آينشتاين، وهذه الاختلافات ــ في حال ظهورها ــ يمكنها أن تزوّدنا بإشارات تدلّنا على الطريق نحو نظرية كمومية للثقالة. وبالعكس، إذا نجحت تلك المعادلات في وصف ما يجري بالقرب من الثقوب السوداء، فإنّ هذا سوف يوسّع بشكل درامي مجالَ صلاحية النسبية العامة.
 
 
[أساسيات]
 
 عرين الوحش(***)


   إنّ السمةَ التعريفيّة للثقب الأسود هي امتلاكه أفق حدث، وهو الحدود الكروية للمنطقة التي لا يستطيع أيّ شيء داخلها التغلّبَ على ثقالة الثقب والخروج منها. ويتراكم الغاز بشكل متعاظِم ضمن قرص حارّ ونيّر يحوم حول الثقب الأسود، وتوجد فيه بقعٌ مؤقّتة برّاقة وساطعة تشبه مناطق التوهّج في لهيب الشمس (بقع الانفجارات الشمسية). يمكن للقرص أن يكون رقيقا (كما في الشكل)، ولكن يمكنه كذلك أن يغطّي زاوية كبيرة فوق مستوي الدوران وتحته، كما يمكن له أن يمتدّ إلى مسافات بعيدة جدا شعاعيا radially. ويُصدِر كثيرٌ من الثقوب السوداء الفائقة الكتلة دفقات نفثية ساطعة بسرعات تقارب سرعة الضوء.
    ويُعتقَد أنّ الحافة الداخلية لقرص التراكُم المتعاظِم (قرص الاستزادة) تقع بالقرب من دائرة تُدعى المدار الحلقي المستقرّ الأكثر توغّلا نحو الداخل(6). وأيُّ مادة تضلّ طريقها بالقرب من الثقب، ستجد نفسها على مسار غير مستقرّ، وسريعا تغوص في أعماق الثقب. وعلى المدار الفوتوني، يمكن للضوء فيه من حيث المبدأ أن يدور حول الثقب الأسود بشكل دائم، ولكن في الواقع الفعلي قد يؤدي أيُّ اضطراب مهما صَغُر إلى جعل مسار الضوء يتجه حلزونيا إلى الداخل أو إلى الخارج.
 
إنّ طرحَ بعضِ الأسئلة الملحّة في الفيزياء الفلكية عمّا يجري في جوار الثقوب السوداء يستلزم بدوره محاولة الوصول إلى إجابات. تقتات الثقوبُ السوداء من المادة الساقطة إلى داخلها مثل الغاز والغبار الكوني، وأثناء السقوط تكتسب هذه المادة ــ مع اقترابها من أفقِ حدثِ الثقب ــ مقدارا كبيرا من الطاقة، فتُنتج كمية من الحرارة تفوق فاعليتها عشرين ضعفا تقريبا من فاعلية الاندماج النووي الذي يمثّل ثاني أقوى سيرورة معروفة لنا من ناحية القدرة على توليد الطاقة. فالإشعاعُ الصادرُ عن الغاز الحارّ والمتحرّك بشكل حلزوني يجعل الجوار المحيط بالثقوب السوداء أكثرَ الأشياء توهّجا وبريقا في الكون.
 
تُعتبَر الثقوبُ السوداء مواضعَ مثالية للبحث عن دلائل على أية اختلافات في الظروف البالغة التطرّف عمّا تتنبأ به معادلات آينشتاين في نظرية النسبية العامة.

يستطيع الفيزيائيون الفلكيّون وضع نموذج يصف إلى حدّ ما المادةَ المتعاظِمة التراكُم (المتنامية) للثقب الأسود، ولكنّ لا تزال غامضة كيفيةَ انتقال الغاز ضمن تدفّق مادة التراكُم المتعاظِم من مدارٍ نصف قطره كبير إلى آخر واقع بالقرب من الأفق، ويشوب الغموض أيضا كيفية، بالتحديد، سقوط الغاز في نهاية الأمر إلى داخل الثقب الأسود. لا شكّ في أنّ الحقول المغنطيسية التي تولِّدها الجسيماتُ المشحونة المتحرّكة ضمن تدفّق مادة التراكُم المتعاظِم تؤدي دورا مهما جدا في كيفية سلوك هذا التدفّق، لكننا لا نعرف إلاّ القليلَ عن بنية هذه الحقول وعن كيفية تأثير هذه البنية في الخواصّ المرصودة للثقوب السوداء. ومع توفر برامج محاكاة حاسوبية تصف مجمل منطقة التراكُم المتعاظِم، فإنّ العلماء النظريّين لا يزالون يحتاجون إلى عقود من الزمن قبل أن يتمكَّنوا من إجراء حسابات موافقة حقيقية لا تعتمد إلاّ على مبادئ الفيزياء الأساسية. وسوف تكون بيانات المراقبات والملاحظات الفلكية ذات قيمة أساسية في إلهامنا بأفكار جديدة، وكذلك في تقريرنا أيّ النماذج المتعدّدة والمتنافسة هو الأقدر على وصف الظاهرة.

هناك أمرٌ أكثر إحراجا بالنسبة إلى الفيزيائيين الفلكيّين هو افتقادهم فهم الدفقات النفثية للثقب الأسود: وهي ظواهر تتعاون فيها القوى بالقرب من ثقب أسود فائق الكتلة لقذف مادة نحو الخارج بسرعات نسبوية عالية (تصل إلى نحو 99.98 في المئة من سرعة الضوء). وتجتاز هذه الدفقات المذهلة المنطلقة نحو الخارج مسافات تفوق المجرّات طولا، ومع ذلك تكون عند نشوئها قرب الثقب الأسود على شكل حزم كثيفة من الأشعة التي تتجمع بشكل لصيق يكفي لأن تخترق المنظومة الشمسية؛ كما لو كانت ثقب إبرة مجرّيّة. وإننا لا نعرف ما الذي يسرّع هذه الدفقات النفثية إلى هذه القيم العالية من السرعات، كما لا نعرف حتى ممّا تتركّب؛ فهل هذه الدفقات النفثية مكوّنة من إلكترونات وپروتونات أم من إلكترونات وپوزيترونات؟ أو لعلها مجرّد حقول كهرمغنطيسية؟ للإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، يحتاج الفلكيّون بشدة إلى أرصاد مباشرة عن الغاز في الجوار القريب للثقب الأسود.
 
مطاردة الوحش من بعد(****)

لسوء الحظ، يصعب الحصول على الأرصاد المباشرة المذكورة أعلاه، وذلك لأسباب عديدة. أولا، الثقوب السوداء فائقة الصغر بالنسبة إلى القياسات الفلكية. فهي تتجلّى في تشكيلتَين رئيسيَّتَين: ثقوب سوداء كتلها نجمية وهي بقايا نجوم ثقيلة ميتة تبلغ كتلها نموذجيا من خمسة أضعاف إلى 15 ضعفَ كتلة الشمس، وثقوب سوداء فائقة الكتلة تتوضّع في مراكز المجرّات؛ وتزن ما بين ملايين كتلة الشمس إلى عشرة مليارات منها. ويبلغ قطرُ أفقِ حدثِ ثقب أسود بكتلة نحو 15 مرّة كتلة الشمس نحو 90 كم، فهو يشغل حيزا صغيرا جدا بمقاييس المسافات بين النجوم. حتى إن المنطقة داخل مدار الكوكب نپتون تتسع بسهولة لثقب أسود فائق كتلته تبلغ نحو مليار مرّة كتلة الشمس.

ثانيا، يساعد الحجم الصغير للثقب الأسود وثقالته الهائلة على حركة المواد حوله بسرعات كبيرة للغاية، فالمادة القريبة جدا من ثقب أسود نجمي الكتلة يمكن أن تتمّ دورتها حول الثقب بأقلّ من ميكروثانية، ولا بدّ من أجهزة فائقة الحساسية لرصد ظواهر سريعة إلى هذه الدرجة. وأخيرا، فإنّ المجموعة الجزئية من الثقوب السوداء التي تمتلك احتياطيا كبيرا من الغاز المجاور القابل للتراكُم المتعاظِم، هي الوحيدة التي يمكن رؤيتها، ولذلك لم يتمّ اكتشاف الغالبية العظمى من الثقوب السوداء في مجرّة درب التبّانة بعد.

ولمجابهة هذه التحدّيات طوّر علماء الفلك تقنيات متنوّعة، زوّدتنا ــ على الرغم من عدم قدرتها على إعطاء صور مباشرة ــ بمعلومات عن خواصّ وسلوك المادة الحائمة قربَ منطقة نشكّ في احتوائها على ثقب أسود. وعلى سبيل المثال، يمكن للفلكيّين أن يقدِّروا وزن ثقب أسود فائق الكتلة من خلال مراقبة النجوم المجاورة له، بطريقة تشبه إلى حدِّ كبير مراقبة مسار الكواكب من أجل حساب كتلة الشمس. وفي المجرّات البعيدة، لا يمكن تمييز النجوم المنفردة قربَ ثقب فائق الكتلة، ولكنّ طيف إشعاعاتها الضوئي يدلّ على كيفية توزّع سرعاتها، وهذا ما يفيد في حساب كتلة الثقب. يُعتبَر الثقب الأسود الفائق الكتلة*Sgr A الموجود في مركز مجرّة درب التبّانة قريبا منّا بما يكفي لتتمكن المقراباتُ من تمييز النجوم المنفردة الواقعة قربَه. وهذا ما وفَّر لنا أفضل تقدير حتى اليوم لكتلة ثقب أسود ما [انظر المؤطر في الصفحة 9]. ولسوء الحظ، فإنّ موقع هذه النجوم بعيدٌ جدا عن منطقة اهتمامنا الأقصى التي تغدو فيها آثارُ النسبية العامّة جليّة ومحسوسة.

ويبحث الفلكيّون كذلك عن إشارات تحمل توقيعَ النسبية العامة في الطريقة التي يتغيّر وفقها الإشعاع الصادر بالقرب من ثقب أسود عبر الزمن. وعلى سبيل المثال، تتأرجح وتتغيّر قيمُ السطوعِ لإصداراتِ الأشعة السينية من بعض الثقوب السوداء النجمية الكتل بطريقة شبه دورية، وتكون أدوارها مماثلة للأدوار المتوقّعة في المدارات التي تسلكها المواد قربَ الحافة الداخلية لقرص التراكُم المتعاظِم.

وأكثرَ طرقِ سبرِ الثقوب السوداء الفائقة الكتلة نجاحا لغاية اليوم هي تلك التي استغلَّت عملية تألّق fluorescence ذرّات الحديد الواقعة على سطح قرص التراكُم المتعاظِم. فالحركةُ السريعة لقرص التراكُم المتعاظِم الذي يحمل ذرّات الحديد تتعاضد مع الثقالة الشديدة للثقب، لتسبِّب إزاحة الطول الموجي المميّز للتألّق، وتؤدي إلى امتداده على نطاق عريض من الأطوال الموجية. وبالقرب من ثقب أسود ذي تدويم(7) (دوران حول الذات) سريع، يدور قرص التراكُم المتعاظِم نفسه حول الثقب بسرعة أكبر (بفضل تأثير تبيّنه النسبية العامة يسبّب جرَّ «المكان» معه عند دوران الثقبِ حـول نفسـه)، وسـيكون للإصدار لاتناظر(8) مريب. وقد رصد القمران الصنعيّان اليابانيّان ASCA وSuzaku إصدارات من هذا النوع بالضبط، وقد فسّرها الفلكيّون على أنها إثباتٌ مباشر على وجود ثقوب سوداء ذات تدويم سريع، بحيث تبلغ السرعات المدارية في أقراص التراكُم المتعاظِم قيما مرتفعة تصل حتى ثلث قيمة سرعة الضوء.

ويمكن الحصول على معلومات حول مقدار تدويم الثقوب السوداء النجمية الكتل عن طريق دراسة منظومات ثنائية يدور فيها ثقب أسود ونجم عادي أحدهما حول الآخر بشكل يبلغ من القرب ما يكفي لأن يأكل الثقب الأسود تدريجيا من مادة رفيقه. ويدلّ تحليل طيف الأشعة السينية والبارامترات المدارية لحفنة من مثل هذه المنظومات على أنّ ثقوبَها السوداء تمتلك من 65 إلى 100 في المئة من المقدار الأعظمي للتدويم الذي تسمح به النسبية العامة لثقب أسود بالكتلة المفروضة؛ ويبدو أنّ القيمةَ العالية للتدويم هي السائدة في أغلب الحالات.

لا يقتصر ما تُطلِقه الثقوبُ السوداء على الضوء (الذي يمتدّ طيفه من الموجات الراديوية حتى الأشعة السينية) وعلى الدفقاتِ النفثية من الطاقة فحسب، إذ يمكن لثقبين أسودَين ــ عندما يصطدم أحدهما بالآخر ــ أن يهزّا بنية نسيج الزمكان(9) حولهما، وهذا ما يُنتج موجات تثاقلية(10) تنتشر إلى خارج منطقة التصادم مثل انتشار التموّجات والتغضّنات على سطح ماء بركة راكدة. ويجب على تغضّنات الزمكان هذه أن تكون قابلة للالتقاط على بعد مسافات شاسعة، حتى وإن تطلَّب ذلك أجهزة فائقة الحساسية. ومع أنّ المراصد الفلكية المتوفّرة في الوقت الراهن لم تكتشف حتى اليوم أية موجات تثاقلية، فإنّ فكرةَ البحث هذه تزوّدنا بطريقة ثوريّة جديدة لدراسة الثقوب السوداء(11).
 

إشارات بعيدة عن ثقوب سوداء(*****)
   يعتقد الفيزيائيون الفلكيّون أنّ ثقوبا سوداء (صغيرة جدا وبعيدة عنّا بشكل لا يسمح لنا برؤيتها) هي المسؤولة عن ظواهر عديدة تمتد من إصدارات لأشعة سينية إلى دفقات نفثية ضخمة من موادّ تمّ قذفها بعيدا عن مراكز المجرّات.
   صورة المجرّة Centaurus A كما التقطها القمر الصنعي Chandra باستخدام الأشعة السينية، وهي تبيّن دفقا نفثيا بطول 13000 سنة ضوئية يصدر عن ثقب أسود فائق الكتلة نعتقد أنه موجود في مركزها. وتمثّل البقع ذات الشكل النجمي ثقوبا ذات كتل من المرتبة النجمية تستهلك مادة يزوّدها بها رفاقُها النجوم. أمّا الألوان الحمراء والخضراء والزرقاء؛ فهي تدلّ على ثلاثة نطاقات مختلفة من الأطوال الموجية للأشعة السينية.
   إنّ الثقب الأسود الفائق الكتلة الذي نفترض وجودَه في مركز المجرّة M87 محاطٌ بفصوص من الغاز يبلغ عرضها نحو 15000 سنة ضوئية، وهو يُطلق نحونا دفقا نفثيا بسرعات نسبوية عالية، كما يُحتمَل أن يكون هناك دفقٌ نفثيّ معاكس غير مرئي يرُسل مادّة في الاتجاه المعاكس. وهذه الصورة التقطها الصفيف الكبير جدا (VLA)(12) في نيو مكسيكو باستخدام موجات راديوية بأطوال موجية من رتبة الـ -2سنتمتر، حيــث تمثّل الألــــوان فيها شـــدّة الإشـــارة الملتقطَة.

نافذة للنظر(******)

على الرغم من تزويدها لنا بمقدار وافر من المعلومات حتى الآن، لا تقدِّم أيّ تقنية من التقنيات التي وصفناها ــ صورة مباشرة لأفق حدث ثقب أسود. ولكن في الوقت الراهن ــ وبفضل تطوّرات حديثة جدا تحقَّقت في التقانة مؤخرا ــ أصبح الحصولُ على صور مباشرة لأفق ثقب أسود أمرا وشيك الحدوث. والثقب الأسود الذي سوف يجري تصويره هو ذاك الثقب الوحش القابع في ساحتنا الخلفية*Sgr A على مسافة 24000 سنة ضوئية فقط منّا ويحتلّ مساحة أكبر الأقراص في قبة سمائنا مقارنة بجميع الثقوب السوداء الأخرى المعروفة، في حين يتعين على ثقب أسود كتلته تساوي عشر مرّات كتلة الشمس ألاّ يبعد عنّا أكثر من 1% من بعد أقرب نجم إلينا لكي يبدوَ بالمساحة نفسها لذلك القرص. أمّا الثقوب السوداء الفائقة الكتلة التي تتجاوز الثقب الأسود *Sgr A بكثير في ضخامتها، فهي موجودة لكن على مسافات تبعد عنا ملايين السنين الضوئية.

إنّ الحجمَ الظاهري الذي تبدو فيه الصورة الظليّة المعتمة لثقب أسود بعيد يزيد على الحجم الحقيقي بأكثر من مرّتين، وذلك بفضل انحناء الأشعة الضوئية الناجم عن ثقالة الثقب. ومع هذا، لن يغطّي أفق الثقب الأسود *Sgr A ظاهريا إلاّ زاوية ضئيلة جدا قياسها 55 ميكرو قوس ــ ثانية (وهو جزء من ألف جزء من 3600 جزء من الدرجة الواحدة)، وهذا يماثل ما تبدو عليه بذرة خشخاش موجودة في مدينة لوس أنجلوس عندما ننظر إليها من مدينة نيويورك.

إنّ ميز resolution جميع المقرابات الحديثة ــ على الرغم من قدراتها المثيرة للإعجاب ــ لها حدودٌ تفرضها على المستوى الأساسي عمليةُ الحيود(13) diffraction، وهو ظاهرةٌ تنجم عن الطبيعة الموجية للضوء وتحدث عندما يمرّ من خلال الكوّة الضيّقة التي يمثِّلها الحجم المحدود للمقراب. وبشكل عام، يمكن إنقاص المقياس الزاويّ الأصغريّ القابل للفصل والتمييز من قبل المقراب عبر تكبير حجم هذا الأخير أو عبر التقاطه لضوء ذي طول موجيّ أقصر. ومن أجل الأطوال الموجية تحت الحمراء (وهي قادرة بشكل ملائم على المرور ــ من دون أن يتمّ امتصاصها ــ عبر الغمامات الغبارية التي تحجب الثقب الأسود *Sgr A عند الأطوال الموجية للضوء المرئي)، نحتاج من أجل تمييز مقياس زاويّ مقداره 55 ميكرو قوس-ثانية إلى مقراب يبلغ عرضه سبعة كيلومترات. وسوف يخفّف نوعا ما استخدامنا لضوء مرئي بأطوال موجية أقصر أو لأشعة فوق بنفسجية من صعوبة تحقيق هذا المطلب الهائل، ولكن ليس بشكل يكفي لأن يجعله معقولا. وتبدو فكرةُ استخدام أشعة ذاتِ أطوال موجية أكبر كأنها لا طائل من ورائها، فاستخدام الموجات الراديوية الميليمترية ــ على سبيل المثال ــ يستلزم مقرابا عرضه 5000 كيلومتر، ولكن هناك الآن بالفعل مقرابات راديوية بمقاييس الكرة الأرضية سبق لها أن باشرت بممارسة عملها.

[الثقب الأسود*Sagittarius A]
 
 تضييق الخناق على المارد العملاق(*******)

   حتى فترة قريبة، ظلّت أرصاد حركات النجوم بالقرب من مركز مجرّة درب التبّانة ــ هي أقربُ ما توصل إليه الفلكيّون في مراقبتهم المتعلّقة بأفق حدث الثقب الأسود*Sgr A. وتبيّن مساراتُ النجوم (الخطوط المتقطّعة) أنها خاضعةٌ لقوةّ جذب جرم سماوي متراصّ جدا ذي كتلة مساوية تقريبا لـ 4.5 مليون مرّة كتلة الشمس. وتشير النقاطُ الملوّنة إلى مواضع النجوم من عام 1995 وحتى عام 2008. أمّا الخلفية، فتمثّل صورة للنجوم (وأشياء أخرى غيرها) تمّ التقاطُها في عام 2008 باستخدام الأشعة تحت الحمراء. إنّ النجم SO-16 هو النجم الذي يقترب أكثر ما يكون من الثقب *Sgr A (إلى مسافة تُقدَّر بسبع ساعات ضوئية)، ولكن حتى هذه المسافة الصغيرة نسبيا تبقى أكبر بـ 600 مرّة من نصف قطر أفق الحدث.

تمزج التقنية (VLBI)(14) مقياس التداخل ذي الخطّ القاعدي الطويل جدا الإشاراتِ التي يتمّ التقاطها من قبل منظومة (أو صفيف) من المقرابات الراديوية المنتشرة في أرجاء الكرة الأرضية، وذلك من أجل تحقيق قيم عالية للميز الزاوي مماثلة لما يحقّقه نظريا طبقٌ (صحن لاقط) بحجم الأرض مُعدّ لاستقبال الموجات الراديوية. هناك منظومتان من المقرابات من هذا النوع تعملان منذ أكثر من عقد من الزمان، وهما المنظومة(VLBA) (15) التي تنتشر أطباقها في الولايات المتحدة من هاواي Hawaii إلى نيو هامپشر New Hampshire، والمنظومة (EVN)(16) التي تنتشر أطباقها في تشيلي وجنوب إفريقيا وپورتوريكو إضافة إلى أوروبا. ويمكن أن تكونَ قد رأيتَ منظومة مماثلة ــ وإن كانت أصغر بكثير ــ لو أنك شاهدتَ الفيلمَ السينمائي «الاتّصال (كونتاكت Contact)» أو الفيلم «2010» اللذين يعرضان في بعض مشاهدهما منظومةَ الصفيف البالغ الكبر VLA في ولاية نيومكسيكو.

ولسوء الحظ، لا تصلح التقنيـتــــان VLBA وEVN إلاّ لالتقاط موجات راديوية بطول موجي أكبر من 3.5 ميلّيمتر، وهذا ما يوافق ميزا لا يتعدّى 100 ميكرو قوس-ثانية، وهذه قيمة أكبر من أن تسمح بتمييز أفق الثقب*Sgr A. والأكثر من ذلك هو أنّ الغازات بين النجوم ــ عند الأطوال الموجية هذه ــ تجعل صورةَ هذا الثقب الأسود ضبابية وغيرَ واضحة، تماما كما يشوِّش الضبابُ الكثيف قدرتنا على رؤية أضواء الشوارع فوق رؤوسنا. ويكمن الحلّ هنا في أن نستعمل مقياسَ تداخل interferometer يعتمد على أطوال موجية أقصر من ذلك من رتبة الميليمتر وأقل.

تبرز الآن مشكلةٌ أخرى مع تلك الأطوال الموجية الأقصر، وهي إمكان امتصاص بخار الماء في الغلاف الجويّ. ولهذا السبب توضع المقرابات التي تستخدم أطوالا موجية من رتبة الميلّيمتر وما أدنى في أعلى المناطق الممكنة ارتفاعا وأكثرها جفافا، كما هو الحال على قمة بركان ماونا كي Mauna Kea في هاواي أو في صحراء أتاكاما Atacama في تشيلي أو في القارة القطبية المتجمّدة الجنوبية. وعندما يتمّ تنفيذ جميع هذه الخطوات نحصل عموما على نافذتَين يمكن النظر من خلالهما بشكل جيّد، واحدة عند الطول الموجي الموافق لـ 1.3 ميليمتر والأخرى عند الموافق لـ0.87 ميليمتر. وتسمح منظومة مقرابات منتشرة في أرجاء الأرض بالحصول عند هذين الطولَين الموجيَّين على قوّتَي ميز بقيمتَي 26 و 17 ميكرو قوس ثانية على الترتيب، وهذا يكفي لتمييز أفق الثقب الأسود*Sgr A.
 
إنّ الثقبَ الأسود*Sgr A هو الثقب الفائق الكتلة الوحيد الذي يسمح قربُه منّا للمقرابات (التلسكوبات) بأن تكون قادرة على فصل وتمييز النجوم المنفردة الواقعة بالقرب منه.

ويمكن إدخالُ عدد من المقرابات الموجودة حاليا (في هاواي، وعلى طول القسم الجنوبي الغربي من الولايات المتحدة، وفي تشيلي والمكسيك وأوروبا) ــ والتي تعمل بأطوال موجية من رتبة الميليمتر وما أدنى ــ ضمن مثل هاتين المنظومتَين. ولكن، نظرا لأنّ الفلكيّين بنوا هذه المقرابات في الماضي لأغراض أخرى، فإنّ تعديلها وتهيئتها بحيث تصبح ملائمة لمقياس التداخل VLBI يتطلّب التغلّب على كثير من التحدّيات التقنية؛ ومنها تطوير نظم إلكترونية بضجيج فائق الانخفاض ومسجّلات رقمية ذات نطاق تردّدي عَرْضُه عال جدا.

ومــع ذلـك، تمكّن فريقٌ مـن العلمـاء بقيـادة <S.S.دولمان> في المعهد MIT من حلّ هذه المعظلات في عام 2008. وقد قام هذا الفريقُ بدراسة الثقب الأسود*Sgr A عند طول موجي مساو لـ 1.3 ميليمتر، وذلك باستخدام منظومة مكوَّنة من ثلاثة مقرابات فقط موجودة في أريزونا وكاليفورنيا وعلى قمة ماونا كي. إنّ هذا العدد الصغير من المقرابات لا يكفي لتوليد صورة، ولكنّ الباحثين نجحوا في تمييز الثقب*Sgr A، إذ دلَّت بياناتهم على أنه يمتلك مناطـــق ســــاطعة ذات حجـم يغطي زاويــــة قــــدرها 37 ميكروقوس ثانية(17) فقط؛ أي ما يكافئ نحو ثلثَي مقاس أفق حدث الثقب الأسود. واستخدام مقرابات إضافية لا بدّ أن يجعل أمرَ الحصول على صورة ظلّيّة قاتمة لأفق حدث الثقب شيئا ممكنا.

تشير الأرصاد الحديثة التي تمت باستخدام مقياس التداخل VLBI الميليمتري الآن إلى أنّ عدمَ امتلاك الثقب الأسود*Sgr A لأفقِ حدث هو أمر بعيد الاحتمال جدا. إنّ عمليةَ التراكُم المتعاظِم فوق ثقب أسود تختلف كلّيّة عنها في حالة جرم سماوي ليس له أفق. ففي كلتا الحالتَين تجلب المادةُ المتعاظِمة التراكُم معها مقاديرَ كبيرة من الطاقة أثناء سقوطها إلى الداخل، ولكنّ هذه الطاقة تتحوَّل ــ في حالة غياب الأفق ــ إلى حرارة عندما تستقرّ المادةُ المتعاظِمة التراكُم وتأخذ شكلَها النهائي، ليتمّ إطلاقُها لاحقا على شكل إشعاع، وهذا ما يولِّد طيفا حراريا مميِّزا ومرئيا بالنسبة إلىالمراقبين الخارجيّين. وعلى خلاف ذلك، يمكن للمادة الساقطة نحو الداخل ــ في حالة الثقوب السوداء ــ أن تحمل معها أيَّ مقدار من الطاقة عبر الأفق، وهذا سوف يخفي تلك الطاقة إلى الأبد.

يمكننا في حالة الثقب *Sgr A أن نستخدم مقدار سطوعه الكلّي للحصول على قيمة تقديرية لمعدّل سقوط المادة المتعاظِمة التراكُم. تضع الأرصاد بوساطة مقياس التداخل VLBI الميليمتري قيدا صارما على أعظم قيمة يمكن أن يبلغها مقاس الحافة الداخلية لتدفّق المادة المتعاظِمة التراكُم، ومن ثم على مقدار الطاقة المتحرّرة أثناء سقوط المادة المتدفّقة حتى وصولها إلى تلك النقطة. فلو لم يكن للجرم *Sgr A أفق حدث (وبالتالي ليس ثقبا أسود)، لتعين أن يتمّ إشعاعُ الطاقة الزائدة عندما تستقرّ المادة المتعاظِمة التراكُم وتهدأ، فتُصدِر بشكل رئيسي موجات في منطقة الأشعة تحت الحمراء. ولكن، على الرغم من الأرصاد الدقيقة لم يجد الفلكيّون أيّ إصدار حراريّ في منطقة الأشعة تحت الحمراء ينطلق من الجرم *Sgr A. والطريقة الوحيدة لتسوية هذا التعارض من دون وجود أفق حدث هي افتراض أنّ المادةَ الساقطة تُشِعُّ إلى الخارج كلَّ الطاقة الزائدة عند لحظة غوصِها إلى الداخل، ولكنّ هذا الأمر تلزمه قيمٌ للمردوديّة الإشعاعيّة مرتفعة إلى حد غير مقبول به منطقيا.

صورة فنيّة لوحش(********)

كنّا، من بين نظريِّين آخرِين، منشغلَين جدا بمحاولة التنبّؤ بما يمكن أن يراه المراقبون الفلكيّون عندما يبدأ مقياس التداخل VLBI بإنتاج صور للثقب *Sgr A في السنوات القليلة القادمة. وبشكل إجمالي يُسبّب وجودُ الثقب الأسود إسقاطَ صورة ظليّة على خلفية من «ورق الجدران» المصنوع من إصدارات غاز التراكُم المتعاظِم في الجوار القريب. وينشأ هذا «الخيال» shadow؛ لأنّ الثقب الأسود يمتصّ الأشعةَ الضوئية الواردة باتجاه المراقِب من المناطق الواقعة خلف الثقب تماما. وفي هذه الأثناء، تجري تغذية المناطق الساطعة حول «الخيال» بموجات ضوئية إضافية تأتي من خلف الثقب الأسود، وهي بالكاد تتجنّب الأفق. ويسبّب الأثر العدسي التثاقلي القويّ انحناءَ الأشعة الضوئية، بحيث تسهم حتى المادة الواقعة خلف الثقب تماما، في الضوء المحيط بالمنطقة المعتمة. أما الصورة الظلّيّة الناتجة هي ما نقصده بعبارة «صورة فنية لثقب أسود»، فهي صورة متوافقة مع الواقع يكون فيها الثقبُ الأسودُ أسودَ اللون حقيقة.

ولن يكون هذا الخيال على هيئة قرص دائريّ الشكل، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى القيم الهائلة للسرعات المدارية للغاز التي تقترب من سرعة الضوء. وسوف ينزاح الإصدارُ الإشعاعي من مثل هذه المادة السريعة الحركة بسبب مفعول دوپلر(18)، وسوف يتمركز ضمن مخروط ضيّق محوره منطبق على اتجاه حركة المادة. وهذا يُزيد كثيرا سطوعَ الإشعاع الصادر عن الغاز الحائم في الجانب ذي الاتجاه المقترب، في حين يُنقِص سطوعَ الجانب ذي الاتجاه المبتعد فيصير معتما، ومن ثمّ سوف ينتج لدينا شكلُ هلال ساطع بدلا من حلقة كاملة ساطعة تحيط بصورة ظلّيّة قرصيّة الشكل. ولا يزولُ عدمُ التناظر هذا إلاّ إذا كنّا بالصدفة ننظر باتجاه منحى محور دوران القرص.
 
بفضل الأثر العدسي التثاقلي تسهم حتى المادة الواقعة خلف الثقب الأسود تماما في الضوء المحيط بخيال الصورة الظلّيّة.

إنّ تدويم الثقب الأسود نفسه، الذي يمكن أن يكون محور دورانه مختلفا عن محور دوران قرص التراكُم المتعاظِم، يُحدث تأثيرا مشابها. فمثل تلك الصور سوف تمكّن الفلكيّين من تحديد اتجاه تدويم الثقب الأسود ودرجة ميل قرص التراكُم المتعاظِم بالنسبة إليه. وبشكل لا يقلّ أهميّة عن ذلك بالنسبة إلى الفيزيائيين الفلكيّين، ستزوّدهم هذه البيانات بمعلوماتِ إدخال آتية من أرصاد لا تقدَّر بثمن من ناحية المساهمة في ابتكار نماذج نظرية الـتراكُم المتعاظِم، وهذا سيسمح ــ على نحو حاسم ونهائي ــ بالإجابة عن السؤال الصعب المتعلق بمقدار كثافة الغاز وبطبيعة الشكل الهندسي للحافّة الداخليّة لتدفّق مادة التراكُم المتعاظِم.

هنـاك ثقوب سوداء أخرى فائقة الكتلة يُفترَض أن تقع أيضا ضمن نطاق مقياس التداخل VLBI، ومن ثمّ يمكن مقارنتها بالثقب *Sgr A. وقد بيّنا مؤخّرا أنّ ثاني أفضل ثقب يجب استهدافه هو الثقب الأسود الذي يُعتقَد بوجوده في مركز المجرّة الإهليليجية العملاقة M87. ويقع هذا الثقب الأسود على مسافة تُقدَّر بـ55 مليون سنة ضوئية بعيدا عنّا، وحتى وقت قريب، بلغ التقدير المعياري لكتلته من قبل الفلكيين نحو ثلاثة مليارات من كتلة الشمس، مما يعطيه صورة ظلّيّة مُتوقَّعة أصغرَ قليلا من نصف مقاس صورة الثقب *Sgr A. ولكن في الشهر6 /2009، استخدم <K.گيبهاردت> [من جامعة تكساس] و<J.توماس> [من معهد ماكس پلانك للفيزياء غير الأرضيّة في ألمانيا] أحدثَ البيانات الفلكيّة، وقاما بتحديث نماذج توزيع النجوم والمادة المعتمة (المظلمة) في المجرّة M87، ليستنتجا أنّ كتلة ثقبها الأسود تقارب 6.4 مليار كتلة الشمس، وهذا يكفي لأن يجعل صورته الظليّة نحو ثلاثة أرباع قطر الصورة الظلّيّة للثقب *Sgr A.

يتفوَّق ثقبُ المجرّة M87 في نواح عدة ــ على زميله الثقب*Sgr A كهدف واعد ولافت للانتباه. فهو يمتلك نفثا دفقيا مفعما بالنشاط والحيوية يمتدّ حتى 5000 سنة ضوئية، وسوف يزوّدنا تمييزُ المنطقة المُطلِقة للنفث بمعلومات حاسمة فيما يتعلَّق بجهود النظريّين الحثيثة من أجل فهم هذه التدفّقات نحو الخارج ذات السرعات النسبوية العالية. وعلى خلاف الثقب *Sgr A، يقع ثقب المجرة M87 في نصف الكرة الشمالي للقبة السماوية، وهذا ما يجعله ــ مقارنة بالنصف الآخر ــ أكثر قابلية للتعامل معه بمقياس التداخل VLBI باستخدام المراصد المتوفِّرة الحالية، والتي لا يقع إلاّ قسمٌ صغيرٌ نسبيا من أطباقها في الجنوب. إضافة إلى ذلك، وبما أنّ حجم ثقب المجرة M87 أكبر بنحو 2000 مرّة من حجم الثقب *Sgr A، فإنّ التغييرات الديناميكية التي تطرأ عليه سوف تحدث خلال مقاييس زمنية بالأيام بدلا من الدقائق. فقيمة دورُ الحركة المدارية the orbital period بالقرب من الحافة الداخلية لقرص التراكُم المتعاظِم، محصورة بين نصف أسبوع وخمسة أسابيع (حسب مقدار تدويم الثقب). وهكذا، يجب أن يكون الحصول على صور متتالية للأحداث المتجلِّية أمرا أسهل بكثير في حالة ثقب المجرة M87 منها في الآخر. وأخيرا، فمن المرجَّح جدا أن تعاني الصورُ ذات الميز العالي درجة أقلّ من ذلك النوع من التشويش والضبابية الذي يفرضه الغاز ما بين النجوم الفاصل بيننا وبين الثقب *Sgr A. وفي الوقت الراهن, تبلغ دقةُ التمييز في أفضل صور مقياس التداخل VLBI المأخوذة للمجرة M87 بأطوال موجية من 2 إلى 7 ميليمتر، نحو 100 ميكرو قوس-ثانية، وهي قيمة أكبر بمرّتَين من مقاس الصورة الظلّيّة للثقب الأسود التي نتوقّعها.
 

 [التصوير]
 
اصطياد الوحش(*********)
    يقوم الفلكيّون ببناء وتطوير عدة صفيفات من المقرابات الراديوية تهدف إلى تكوين شبكة من المراصد (الشكل الأيسر) تغطّي الكرة الأرضية بمجملها، بحيث يمكنها أن ترصد الثقب الأسود*Sgr A ومناطق الجوار المباشر له باستخدام أطوال موجية قريبة من 0.87 و1.3 ميلّيمتر («نافذتان» لا تُمتصان بقدر كبير من قبل الغلاف الجوّي للأرض، ولا تبعثران من قِبَل الغاز ما بين النجوم). وسوف يسمح الحجمُ الكبير للشبكة بإجراء أرصاد ذات قوة ميز كافية لإنتاج صور من أفق حدث الثقب*Sgr A.
   ومن المتوقع أن يكشف لنا المظهرُ الذي سيبدو عليه الثقب *Sgr A معلومات حول اتّجاه منحى قرص التراكُم المتعاظِم لهذا الثقب بالنسبة إلى اتّجاه خطّ نظرنا، وحول مقدار سرعة تدويم الثقب (أي دورانه حول نفسه). وتُعتبَر هاتان المعلومتان من أهمّ الحقائق الأساسية التي يجب معرفتها عن منظومة الثقب *Sgr A، وهما ضروريّتان لفهمِ جميع الأشياء الأخرى التي تأتينا من أرصاده (أدناه). وفي المناسبات العارضة التي تتوهجّ خلالها بقعةٌ ساطعة في قرص التراكُم المتعاظِم، يشكِّل الأثر العدسي التثاقلي للثقب الأسود عدّةَ صور جزئية للبقعة المعنية (الصفحة المقابلة). وإذا أمكننا تمييزُ هذه الصور الجزئية، فستزوّدنا بمعلومات تفصيلية عن الحقل التثاقلي قربَ الثقب الأسود، وهذا سيشكّل اختبارا صارما لمدى صحة تنبّؤات النسبية العامة.
 تجميع البيانات
    يعتبر الصفيف المتّحد للأبحاث في مجال علم الفلك الموجي الميلّيمتري (كارما)(19) المقام في منطقة Cedar Flat في كاليفورنيا (في الأعلى) واحدا من عدّة صفيفات مقرابية راديوية يقوم علماء الفلك بتطويرها وتعديلها كي تتمكّن من رصد أفق حدث الثقب الأسود *Sgr A. وتستطيع شبكةٌ من أمثال هذه المراصد (في اليمين) تفصل بينها خطوط قاعدية baselines بطول آلاف الكيلومترات (خطوط) ــ أن تستغلَّ تقنية تسمى مقياس التداخل ذي الخطّ القاعدي الطويل جدا لإنتاج صور ذات ميز resolution مماثل بدقّته لما كان سيعطيه طبقٌ راديوي بحجم كوكب الأرض. هناك أربعة صفيفات (لون أخضر) جاهزةٌ اليوم للعمل سوية، في حين أن هناك صفيفين (لون زهري) لا يزالان في مرحلة البناء والتطوير، أمّا الصفيف الأخير (لون أزرق) فلا يحتاج إلاّ إلى تكييفه وتعديله ليكون ملائما لعمليات الرصد باستخدام أطوال موجية أقل من الميليمتر.

 ماذا يمكن للصورة الظلّيّة أن تكشف؟
    تبيّن المحاكاة الحاسوبية كيف سيبدو قرصُ تراكُم متعاظِم يدور حول الثقب *Sgr A تبعا لاتّجاه منحى القرص ولمقدار تدويمه. وتحتوي الصور الثلاث (في أقصى اليمين) على التأثيرات الضبابية المشوِّشة التي يسبِّبها الغاز ما بين النجوم.
    وتقع الشبيكة grid الإحداثية الخضراء في مستوي قرص التراكُم المتعاظِم، متمركزة على الثقب الأسود. وتقع حلقةُ الشبيكة الأكثر توغّلا نحو الداخل على أفق حدث الثقب. ويسبّب انحناءُ الضوء الناجم عن ثقالة الثقب أو ما يُعرَف بالأثر العدسي التثاقلي gravitational lensing effect تشوّهَ منظر الشبيكة، ويؤدي كذلك إلى تكبيرِ الصورة الظلّيّة للثقب. وبما أنّ قرص التراكُم المتعاظِم يدور حول الثقب بسرعات تقترب من سرعة الضوء، فإنّ النسبية الخاصة special relativity تُظهِر آثارها جاعلة جانبَه المتحرّكَ نحونا (الجانب الواقع إلى يسار أفق الحدث في الرسم المرافق) أكثرَ سطوعا من الجانب المبتعد عنا. وفي الصورة السفلية، يسبّب الاندفاع الزاوي الكبير angular momentum للثقب الأسود انحرافا إضافيا للضوء، وهذا ما يزيد من تشوّه رؤيتِنا للمستوي الاستوائي ويغيّر بطريقة درامية مظهرَ الغاز المتعاظِم التراكُم.
    وهكـــذا، يمكننـا عبر مقارنــة صـور الثقــب *Sgr A بالمحاكيات الحاسوبية أن نحدّد اتّجاه منحى المنظومة ومقدار تدويم الثقب، ويمكن لذلك أيضا أن يزوّدنا ــ من خلال مقاس الصورة الظلّيّة ــ بتقدير جديد لكتلة الثقب.


قياس الثقالة بواسطة الصور العدسيّة
    يستطيع الفلكيّون قياسَ شدة الثقالة في الجوار القريب جدا من ثقب أسود عن طريق تحليل مجموعة من الصور الجزئية (تمّ التقاطها بواسطة الأثر العدسي التثاقلي) لبقعة برّاقة وساطعة موجودة في قرص تراكُم متعاظِم. ويبيّن الشكل (في الأعلى) صورةَ محاكاة تمثِّل بقعة برّاقة وساطعة بالقرب من ثقب أسود يدور بسرعة معتدلة، وقد لُوّنَت للدلالة على الصور الجزئية الثلاث المكوِّنة لها والتي تشرحها الرسوم المعروضة في الأسفل.
    تتشكّل الصورةُ الأولية (المنطقة الزرقاء) من الموجات الراديوية التي سلكت أكثرَ المسارات استقامة ومباشرة من البقعة نحو الأرض (الخطّ الأزرق). وبفضل ثقالة الثقب الشديدة يمكن لبعض الأشعة التي أصدرتها البقعة في وقت أبكر أن تسلك مسارا متعرّجا حول الثقب (الخط الأخضر)، وتصل إلى الأرض في الوقت نفسه مشكِّلة بذلك الصورةَ الثانوية (المنطقة الخضراء). وتولِّد الأشعةُ التي أُطلِقت قبْل أشعة الصورة الثانوية والتي أتمّت دورة كاملة حول الثقب الأسود (الخط الأحمر) الصورةَ الثالثية التي لا تُرى إلاّ بالكادّ (المنطقة الحمراء). وبما أنّ مواضعَ الصور الجزئية وأشكالها تعتمد على كيف تحني الثقالة الضوء في مواقع متنوّعة من الجوار القريب جدا من الثقب الأسود، فإنّ تحليلا كاملا لمجمل الصورة سوف يبيّن لنا ما إذا كانت النسبية العامة تصف بشكل صحيح الثقالةَ في تلك الأماكن أم لا.


ومن أجل الثقبين*Sgr A و M87 ثمة توقع مثير للاهتمام على المدى البعيد، وهو إمكانية تصوير التوهّجات المفاجئة التي نراها في إصداراتهما من وقت لآخر. وإذا كانت بعض هذه التوهّجات المفاجئة ناجمة عن بقع برّاقة وساطعة ضمن تدفّق المادة المتعاظِمة التراكُم (كما يظنّ معظم النظريّين)، فإنه يمكن استخدامها لوضع خريطة ذات تفاصيل دقيقة للزمكان حول أفق الحدث. وسيرافق الصورةَ الرئيسية لكلّ بقعة صورٌ إضافية موافقة لأشعة ضوئية تصل إلى المراقِب عبر طرق غير مباشرة تلتوي حول الثقب [انظر الإطار في اليمين]. إن أشكال ومواقع الصور ذات المراتب الأعلى تكوّد بنية الزمكان بالقرب من الثقب الأسود، وستزوّدنا بالفعل بقياسات مستقلّة لهذه البنية حسب الأماكن المختلفة التي تجتازها رزمة الأشعة الضوئية الخاصّة بكلّ صورة. فإذا أخذنا مجمل هذه البيانات معا؛ فسوف تمثّل اختبارا جديّا لتنبّؤات النسبية العامة عن سلوك الثقالة الشديدة بالقرب من الثقوب السوداء.

تدخل اليوم الأرصاد المتعلِّقة بالثقوب السوداء عصرا ذهبيا. فبعد مرور نحو قرن على وضع آينشتاين لنظرية النسبية العامة، نجد أنفسنا أخيرا في وضع يسمح لنا باختبار مدى صحة وصف هذه النظرية للثقالة ضمن الشروط الاستثنائية الموافقة للثقوب السوداء. وسيزوّدنا التصوير المباشر للثقوب السوداء بجهاز اختبار جديد كي نقارن نظرية آينشتاين بمنافساتها من النظريات البديلة. وعندما تصير صور الثقبين*Sgr A و M87 متوفّرة، فإننا سنكون قادرين على استقصاء وفحص بنية الزمكان بالقرب من الثقوب السوداء بشكل تفصيلي.

المؤلفان
 
Abraham Loeb - Avery E.Broderick 
بدأ تعاونَهما العلمي سنة 2005 في معهد النظريات والحاسوبيات The Institute for Theory and Computation ــ الذي يديره <لويب> حاليا ــ في مركز هارفارد ــ سميثسونيان للفيزياء الفلكية.

ويعمل <بروديريك> حاليا باحثا مشاركا متقدما في المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية the Canadian Institute for Theoretical Astrophysics بجامعة تورنتو، وقد كان رائدا في الحثّ على تصوير الثقوب السوداء الفائقة الكتلة.

 أمّا <لويب>؛ فهو أستاذُ علم الفلك في جامعة هارفارد، وقد أجرى دراسات نظريّة طليعية عن النجوم الأولى وعن الثقوب السوداء الفائقة الكتلة وعن انفجارات أشعة گاما واندلاعاتها.

 مراجع للاستزادة   

Event-Horizon-Scale Structure in the Super massive black hole candidate at the galactic center.
Shepherd S. Doeleman  et al .in Nature, Vol . 445, Page 78-80; September 4,2008.

Imaging the black hole silhouette of M87: implication for jet formation and black hole spin.
 Avery e. Broderick and Abraham loeb in Astrophysical  Journal, Vol.697,pages  1164-1179; June 1,2009.

The Event Horizon of Sagittarius a* .Avery.  Broderick and Abraham loed and Ramesh  Narayan  astrophysical  journal, vol .701, Pages 1357 _1366;
August 20,2009.

Imaging an Event-Horizon : Submm-vlbi of a super massive black hole. Sheperd  s.doeleman. Sheeperd S. Doeleman et al. in ASTRO2010 Decadal Review. Online at arxiv.org/abs/0906.3899

Inside Black Holes. Andrew J.S. Hamilition. Includes animations of descent into ablack hole. Online at jilawww.colorado.edu/~ajsh/insidebh

U.C.L.A Galactic Center Group Web site: www.astro.ucla.edu/~ghezgroup/gc

(*) Portrait of a Black Hole
(**) Driving Questions
(***) Lair of a monster.  
(****) Stalking the Behemoth from afar.
(*****) distant signs of black holes.
(******) A Window with a View.
(*******)Closing in on The Giant. 
(********) Portrait of a Monster
(*********) Shooting the Beast.


(1) Sagittarius A*
(2)انظر: «Black Stars, Not Holes,» by Carlos Barcelo - Stefano Liberati - Sebastiano Sonego - Matt Visser;
Scientific American, October 2009
(3)time reversibility
(4)curvature، أو تَحدب.
(5)spin، سپين أو تدويم.
(6)the innermost stable circular orbit
(7)spinning
(8)asymmetry
(9)space-time
(10)gravitational waves
(11)The very Large Array
(12)انظر: «Ripples in Spacetime», by: W.Wayt Gibbs; Scientific American, April 2002
(13)أو الانعراج
(14)Very Long Baseline Interferometry، مقياس التداخل ذي الخط القاعدي الطويل جدا
(15)Very Long Baseline Array، الصفيف ذو الخط القاعدي الطويل جدا..
(16)The European VLBI Network، شبكة التقنية VLBI الأوروبية.
(17) microarcsecond
(18) Doppler effect
(19) Combined Array for Research in Millimeter-Wave Astronomy: CARMA